|
|
|
هكذا تعرفت سوريا
إلى فن السينما
|
|
|
|
في عام 1916 وعلي الرغم من ظروف الحرب العالمية الأولى، أنشأت الدولة العثمانية
أول دار للصور المتحركة في دمشق في شارع الصالحية (مكان مجلس الشعب
حاليا)، وافتتحت الصالة من قبل ناظر البحرية وقائد الجيش الرابع جمال باشا الذي
عرف باسم جمال السفاح لتنكيله بالمواطنين الأحرار... وسميت سينما "جناق قلعة"
تخليدا لذكري انتصار الأتراك على الأسطول البريطاني في مضيق جناق قلعة الذي يصل
البحر الأبيض المتوسط ببحر مرمره.. |
|
وعرض في هذه الدار أول فيلم سينمائي من صنع ألمانيا، وهو مجرد قصة مثيرة مع فيلم
آخر إخباري يمثل استعراض الجيش الألماني في برلين، وكان الإقبال على مشاهدة هذه
البدعة الجديدة شديدا بصرف النظر عن موضوع الفيلم، إذ أن أكثر المتفرجين ما
كانوا ليفهموا منه شيئا... وعند خروجهم من العرض كانوا يتداولون ما شاهدوه من
مناظر معينة في الفيلم، كوقوع شخص في هاوية سحيقة دون أن يصاب بأذى، أو تسلق
إنسان على حائط دون أن يسقط.. إلى آخر ما هنالك من الحيل السينمائية التي لا
يصلح عرضها في أيامنا هذه حتى على الأطفال.. |
|
لم
تدم
الحال طويلا في سينما جناق قلعة،
إذ لم يمض شهر واحد على الافتتاح حتى شاهد من كان يقيم في الأحياء المرتفعة من
دمشق لهيبا هائلا يتصاعد نحو السماء يصحبه دخان كثيف، وسمع من كان يسكن شارع
الصالحية أصواتا مرعبة تشبه تكسر كميات كبيرة من الخشب، لقد كانت سينما جناق
قلعة تحترق.حدث
الحريق
ليلا عندما انقطع الفيلم أثناء عرضه، ووقع تحت تأثير الحرارة الشديدة المنبعثة
من ضوء القوس الكهربائي، وكانت الأفلام حينذاك من المواد السريعة الالتهاب،
وكانت الآلات العارضة بسيطة لا تتوفر فيها حافظة لبكرات الفيلم أو وسائل إطفاء
الحريق ذاتيا, وكان الحريق كارثة لأن الدار كانت متميزة، وهي أول دار سينما
أنشئت في دمشق على طراز دور السينما في أوربا. |
|
وكان في الجهة الشرقية من ساحة المرجة بدمشق مبنى فيه شرفة واسعة ذات
واجهة من بلور تشرف على ساحة المرجة، وفي الداخل مسرح كبير للتمثيل جُهز
بمقاعد من الخيزران عادية "غير ثابتة"، وكانت ثمة
شرفات
مرقمة يصعد إليها بسلم خشبي، وكانت الشرفة تستخدم كمقهى صيفا، أما في الشتاء
فكان المسرح هو المقهى. وقد تم الاتفاق بين صاحب المقهى و"سالو"، الميكانيكي
اليوناني الأصل الذي كان يدير آلات سينما جناق قلعة، على إنشاء سينما "زهرة
دمشق"، حيث عرضت فيها أفلام فرنسية بوليسية وأفلام فكاهية لماكس لاندر الفرنسي،
الذي كان من أشهر الممثلين الهزليين في ذلك الحين. وقد صادف افتتاح سينما زهرة
دمشق مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، أي في عام 1918. |
|
بعد ذلك افتتح
شخص أجنبي اسمه "إليكو بوليسيفتش" صالة سينما "الإصلاح خانه" قرب دار البريد
والبرق
القديمة في المرجة.. وكان الكهربائي الذي يدير الآلة السينمائية عنصرا مهما
آنذاك، وكان في أكثر الأحيان شريك المستثمر في الأرباح. |
|
وكان في سوق
التبن
بدمشق
مسرح شعبي، هو مسرح النصر بإدارة محمد الاغواني وتاجر سلاح أرمني اسمه
"ارميناك"، وقد أسسا في هذا المسرح دار سينما أسمياها سينما النصر، وجهزاها
بآلات قديمة.. ولم تعمل هذه السينما سوي فترة قصيرة، بسبب منافسة كل من سينما
زهرة دمشق وسينما الإصلاح خانه، التي لا تبعد الواحدة عن الأخرى سوي بضع عشرات
من الأمتار. وتم تجديد هذه الدار فيما بعد، واستحضرت لها الآلات والمعدات من
ألمانيا، وقام أصحابها الجدد بمساعدة ميكانيكي ماهر اسمه بهجت المصري، بتزويد
الدار بوسائل كهربائية حديثة كالمراوح السقفية، والإنارة الآلية، وأجهزة العرض
المزدوجة...كانت الأفلام التي تعرض في
سينما
الإصلاح خانه من النوع الأمريكي تمثل بطولة رعاة البقر والعصابات المكسيكية،
ومن أشهر الأفلام التي عرضت آنذاك فيلم "الحرية" الحربي من تمثيل إيدي بولو
وماري ويلكم، وهو فيلم مسلسل في أربعين فصلا عرض في مدة تزيد عن أربع أسابيع.
وكانت البرامج تبدل مرتين في الأسبوع، وفيلم آخر شهير عرض آنذاك بشكل مسلسل وهو
"المقنع ذو الأسنان البيضاء". |
|
وهنا
بدأت
الأفلام
الفرنسية تكتسح سوق السينما وتنافس الأفلام الأمريكية، أما الأفلام الهزلية
التي اشتهرت في ذلك الحين وعرضت في دمشق فكانت أفلام المخرج الأمريكي ماك سينت،
والمخرج الممثل شارلي شابلن، والممثل هارولد لويد.. |
|
وفى عام
1924 أغلقت سينما الإصلاح خانه وتحولت إلى مرآب للسيارات، فافتتح توفيق شماس
سينما "الكوزموغراف" التي أصبحت فيما بعد "سينما أمية" في شارع
البحصة
بدمشق. .أما
أديب الشربجي "أبو حسن" فقد أصبح من كبار
مستوردي الأفلام، وافتتح عدة دور للسينما في الضواحي والمدن الأخرى من سوريا،
وأخذ ينافس حبيب الشماس وأولاده، أول مؤسسي دور السينما التجارية في سوريه.. |
|
وفي عام 1929 عندما كانت الثورة السورية في آخر مراحلها، شب حريق هائل أتى على
دار سينما النصر بأكملها، واحترق من جراء ذلك سوق الناصري بكامله، وهو السوق
الواقع بين شارع السنجقدار وشارع التبن، ودور للسكن كثيرة، وفندق كائن خلف بناء
سينما النصر، كما لحق الحريق قسما من دار سينما زهرة دمشق، وأغلقت على الأثر،
ولم يسمح باستثمارها بعد ذلك.. وكان سبب الحريق إفلات بكرة الفيلم من اللفافة، واصطدامها بمصباح كهربائي تولدت
منه شرارة قوية أحرقت طرف الفيلم فالتهب دفعة واحدة،وامتد اللهب إلى الأفلام
الأخرى الموضوعة بلا وقاية على الرف المقابل لآلة اللف...وكانت نكبة صاحب
السينما كبيرة، إذ لم يكن قد أمّن على السينما لدى شركات التامين، وكان له دار
سينما جنينة الأفندي وقصر البلور والهبرا وبرج الروس، إلا أنها توقفت جميعها
لعدم الإقبال عليها. وبعد احتراق سينما النصر جرب العمل في سينما لونا بارك
الصيفية في شارع بغداد، ثم في سينما غازي خلف السراي، وكان يملك سينما الحمراء
في حماة، وأخيرا أعلن إفلاسه . |
|
بعد ذلك افتتح في دمشق عدد آخر من دور السينما منها صيفية ومنها شتوية، مثل
سينما راديو وسينما سنترال في شارع رامي، وسينما الرشيد الصيفي في مدخل شارع
بغداد، وسينما رويال. وتوقفت
بعد ذلك جميع دور السينما الصيفية المؤسسة في الهواء الطلق بسبب إدخال طريقة
تكييف الهواء في الدور المغلقة، وتبدلت أسماء البعض الآخر مثل الكوزموغراف التي
تحولت إلى سينما أمية، وتوقف البعض الآخر بسبب التنظيم وعمران المدن وعدم
ملاءمتها للشروط التي فرضت فيما بعد لإنشاء دور السينما. بعد هذه الفترة أنشئت مجموعة من دور العرض الحديثة في دمشق ، وغيرها من
المدن السورية، حتى وصل عددها إلى حوالي المائة دار موزعة في مختلف مدن وبلدان
القطر... |
|
أما
حلب فقد أسست فيها أول دار للسينما في باب الفرج عام 1914، باسم
سينما الكوزموغراف ثم سينما الترقي بإدارة ميشيل مريش عام 1917. وقد استولت
الدولة العثمانية على هذه الدار وأسمتها سينما "الاتحاد والترقي"، لتجعل منها
دارا مثل سينما جناق قلعة في دمشق، وأجرت عليها إصلاحات كثيرة..وفي عام 1918 افتتح باسيل أرسان سينما باته، فشب
فيها حريق أتى عليها.
وفي عام 1921 انشأ ميخائيل مغربية على أنقاضها سينما أخرى محتفظا بالاسم السابق
"باته"، وفي عام 1922 احترقت هذه السينما ثانية.. |
|
وفي عام 1932 افتتحت في حلب سينما رويال وسينما الكوزموغراف الصيفي من قبل شفيق
داود وتوفيق الحجار بالاشتراك مع قطان وحداد، من كبار أصحاب المؤسسات
السينمائية في لبنان.. |
|
أما أول من أدخل السينما الناطقة إلى دور عرض السينما في سورية، فكان السادة
شماس وقطان وحداد وذلك في ملهي العباسية عام 1934، وكان مشيدا في موقع فندق
سميراميس الآن، وقد زُوّد بآلات فرنسية من صنع شركة "غومون". وكانت الآلات التي
وضعت مؤلفة من جهازين للعرض، يعمل كل منهما على سرعتين، 16 صورة و24 صورة في
الثانية, السرعة الأولى للأفلام الصامتة، والثانية للأفلام الناطقة... |
|
وقد أسست بعد ذلك مجموعة من دور السينما الناطقة في دمشق والمحافظات بعد تأسيس
الدار الأولى في دمشق وكان أكثرها يتبع أصحاب دور السينما في دمشق وحلب. |