| 1967 | 1963 | 1961 | 1928 | 1916
New Page 1
 

المؤسسة العامة للسينما والمنعطف الكبير

 

كان تأسيس المؤسسة العامة للسينما في أواخر عام 1963 منعطفا كبيرا في مسيرة السينما السورية، إذ دخل القطاع العام هذا الميدان الثقافي والفني الهام بعد خمسة وثلاثين عاما من بدء الإنتاج السينمائي في القطر، على الرغم من الأصوات التي أطلقها المتخرجون المحدثون من المعاهد السينمائية العالية في أوربا منذ بداية الخمسينات حول حقيقة السينما وأهميتها فكريا واجتماعيا وسياسيا، والتي تدين السينما التقليدية المتخلفة وتندد بها في عنف وتدعو إلى إعادة النظر في المفاهيم السائدة عن السينما كأداة تسلية وترفيه، وتطالب بتدخل الدولة لتنظيم هذا القطاع.. وقد كانت هذه الأصوات تلقي استجابة طيبة وآذانا صاغية من فئات المثقفين المختلفة ، حتى إذا بدأت التحولات الاجتماعية الأساسية مع قيام ثورة آذار 1963 أصاب السينما نصيب وافر من هذه التحولات , والواقع أن السينما قبل إنشاء المؤسسة كانت قطاعا مهملا لا تنظمه ـ قانونيا ـ سوى القوانين والأنظمة السائدة والعموميات المتعلقة بأصول الاستيراد والتصدير وتقاضي الرسوم الجمركية. 

ولم يكن ثمة سوى دائرة صغيرة لرقابة الأفلام المستوردة - لم يكن هناك إنتاج محلي ذو شأن أو أهميه - لا تلعب أكثر من الدور السلبي العادي الذي تلعبه كل دائرة للرقابة مهما تنوعت نظمها ومقوماتها وصلاحياتها.. وكان حاجة دور العرض التجارية هي التي تتحكم بعدد ما يستورد من أفلام... كان هناك أربعة أو خمسة من كبار تجار الأفلام يستوردون لدور العرض ال 56 الموجودة في سوريا كلها آنذاك حوالي 450 فيلما طويلا كل سنة، يستأثر إنتاج هوليود وحده بثلثيها تقريبا، وأكثر الباقي أفلام عربية من مصر التي كانت الدولة العربية الوحيدة التي تنتج أفلاما سينمائية على الصعيد التجاري حتى ذلك الحين، بالإضافة إلى أفلام قليلة من فرنسا وإيطاليا، وأفلام أقل من الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية... 

كانت هذه حال السينما في سوريا عندما بدأ التفكير بتدخل الدولة في هذا القطاع، وقد بدأ الأمر مع قيام الوحدة بين القطرين الشقيقين: سوريا ومصر في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، وفي وزارة الثقافة والإرشاد القومي التي أسست بدورها بعد قيام الوحدة بين القطرين. 

لجنة السينما : 

أُسس المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية في سوريا عام 1959، وضم في جملة لجانه لجنة خاصة بالشئون السينمائية تعني بهذا الفن وتجمع بين الحين والآخر بعض المتضلعين والمهتمين بالسينما، وتصدر عن اجتماعات هذه اللجنة دراسات وتوصيات لدفع العمل السينمائي وتنظيمه وتنشيطه في سوريا , تبلغ إلى المراجع المختصة في الوزارات التي تقع على عائقها شئون التنفيذ... 

كانت هذه اللجنة أول من أوصي بوجوب إحداث مؤسسة للسينما في سوريا كما نظمت بعض المحاضرات والندوات في الموضوعات السينمائية المختلفة، ودرست اللجنة كذلك مشروع قانون الاستثمار السينمائي قدم إلى الجهات المختصة وكان الاستثمار السينمائي آنذاك دون ضابط تنظيمي ولا يكاد يكون فيه للدولة يد أو توجيه , كما سعت اللجنة لتنظيم دورات تدريبية فنية لاستعمال آلة العرض السينمائية وقامت وزارة التربية والتعليم بتحقيقها كما تم بمسعى من أعضاء اللجنة تأسيس أول ناد للتصوير السينمائي في سوريا عام 1960. 

دائرة الإنتاج والتصوير السينمائية : 

بعد تأسيس وزارة الثقافة والإرشاد القومي في سوريا عام 1958 أنشئت في الوزارة دائرة صغيرة للإنتاج والتصوير السينمائي "والفوتوغرافي أيضا" وأنيطت رئاستها بصلاح دهني خريج الدراسات السينمائية العليا في باريس منذ عام 1950، والذي عمل بعد عودته من فرنسا في ميادين الصحافة والأدب، وقدم لمدة ثماني سنوات متتالية حديثا أسبوعيا في النقد السينمائي من إذاعة دمشق . وكانت تلك هي المرة الأولي التي تمنح فيها فرصة لتكوين نواة للعمل السينمائي الحقيقي ضمن إطار هيئة حكومية ثقافية. 

وقد عمدت الدائرة إلى النشاط الفوري:  

-   جهزت نفسها بكاميرات التصوير مع طاولة مونتاج حديثة.

-   تعاقدت مع خبيرين يوغسلافيين في الإخراج والتصوير.

-   بدأت بإنتاج أفلام عن المدن والآثار والمنجزات والطبيعة والناس.

-   أنتجت من إخراج الخبير اليوغسلافي بوشكو فوتشينينش وتصوير توميسلاف، ثلاثة أفلام بالألوان هي: دمشق الخالدة ـ الشاهد الوحيد "أرواد" ِـ ألوان من الجمال "اللاذقية ومنطقتها", كما أنتجت بالأسود والأبيض قصة المدينتين: بصرى وتدمر. 

وقام صلاح دهني آنذاك، بعد أن أخرج فيلم "نزهات صيفية" لحساب إدارة التليفزيون، بإخراج فيلم "الماء والجفاف" بالأسود والأبيض، و"الآثار العربية في سوريا" بالألوان الطبيعية بالإضافة إلى حلقات سينمائية بعنوان "أخبار الثقافة". 

وأخرج يوسف فهده فيلم "الفنون التطبيقية في سوريا" بالألوان، وقد عمل جورج خوري كمساعد تصوير في الأفلام الأولى مع المصور اليوغسلافي توميسلاف بينتر ثم قام بتصوير أفلام أخرى بعد سفر الخبيرين الأجنبيين.

وشاركت سوريا لأول مرة في مهرجان عالمي للسينما عام 1962 هو مهرجان برلين الثاني عشر، وذلك بفيلم "دمشق الخالدة" كما قامت وزارة الثقافة بإيفاد عدد من الطلاب لحسابها لدراسة فنون السينما المختلفة في عدد من البلدان الأوربية. 

لقيت الأفلام التي أنتجتها الدائرة استجابة كبيرة لدى المسئولين وكثرت عليها الطلبات من السفارات والقنصليات في الخارج . فما انقضت ثلاث سنوات حتى ظهرت الحاجة الملحة إلى توسيع عمل هذه الدائرة مع وجوب تحريرها من الروتين الضيق ومنحها الإمكانيات المادية والبشرية للانطلاق بالعمل السينمائي إلى آفاق أرحب...

من هنا ولدت فكرة إحداث مؤسسة عامة للسينما على صورة المؤسسة المصرية العامة للسينما التي كانت قد أوجدت قبل ذلك ..وقد اصطدمت الفكرة أول الأمر بعنت الحكم في عهد الانفصال، وبعد قيام ثورة آذار صدر المرسوم التشريعي رقم 258 في 12-11- 1963 بإحداث مؤسسة عامة للسينما في سوريا ذات استقلال مالي وإداري، تقوم بإنتاج الأفلام القصيرة والطويلة، وتسعى لتوفير الاستوديوهات ونشر الثقافة السينمائية وتأسيس النوادي السينمائية وإحداث المعاهد... الخ. وخلال الربع قرن الذي انقضى على قيام المؤسسة العامة للسينما "1963-1988"، حققت إنتاج عدد من الأفلام الروائية الطويلة، وعدد آخر من الأفلام القصيرة والوثائقية، كما صدرت بشأنها عدة مراسيم تشريعية لتنظيم أعمالها...

وقد ابتدأت المؤسسة فى صناعة الأفلام السينمائية المحلية، باعثة الأمل في إمكانية خلق سينما عربية جديدة تكون مثالا واضحا لاستخدام الفن كسلاح أيديولوجي، وتكون بمثابة مرآة للعصر وشاهد ملتزم على مشاكل وقضايا البلاد الحيوية، لتعطي الملامح المضيئة للسينما العربية الجادة..وقد نص المرسوم التشريعي رقم 258 تاريخ 12-12-1963 على إنشاء المؤسسة، وجاء في المادة الأولي منه:

"تنشأ مؤسسة عامة تُسمى مؤسسة السينما، وتربط بوزارة الثقافة والإرشاد القومي، ويكون لها الشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، ومقرها مدينة دمشق". 

وتنص المادة الثانية على أغراض المؤسسة كما يلي: 

1- النهوض بالصناعة السينمائية في الجمهورية العربية السورية.

2- دعم الإنتاج السينمائي السليم في القطاع الخاص.

3- توجيه الإنتاج السينمائي في خدمة الثقافة والعلم والقضايا القومية.

وللمؤسسة في سبيل تحقيق تلك الأغراض أن تعمل على: 

أ. إيجاد الوسائل الفنية من استديوهات وأجهزة وفنيين واختصاصيين وكل ما يلزم لتحقيق أغراض المؤسسة.

ب.إنتاج وشراء واستئجار واستثمار الأفلام القصيرة من تعليمية ووثائقية والأفلام الطويلة ذات الصفة القومية أو التي تساعد على رفع المستوى الفني والخلقي والثقافي للشعب.

ج. تشجيع البحوث والتأليف والترجمة والمحاضرة في فنون السينما بالوسائل المادية والمعنوية، وتنظيم دورات تدريبية في فنونها المختلفة.

د. إنشاء معاهد للدراسات السينمائية لتخريج المتخصصين بفنونها أو المساهمة في تمويلها والإشراف عليها.

ع. السعي مع المصارف والجهات الأخري لإقراض المشتغلين بالصناعة السينمائية، ويجوز أن تتم هذه القروض بكفالة المؤسسة.

و. المساهمة ـ عند الاقتضاء ـ في رؤوس أموال الشركات الخاصة بنسبة لا تتجاوز 25% من رأسمال تلك الشركات، أو أي إنتاج سينمائي يقوم به الأفراد أو الشركات. 

وقبل أن نقف على تفاصيل إنتاج المؤسسة في مجال الأفلام الروائية الطويلة والأفلام القصيرة والوثائقية , لابد من أن نقول إن إنتاج الفيلم الروائي الأول لم يتحقق إلا بعد مرور أربع سنوات على إنشاء المؤسسة، ذلك لأن المؤسسة ركزت عملها في مرحلة التأسيس وضمن خطة محددة ومدروسة على إنتاج الأفلام الوثائقية القصيرة كهدف ـ من ضمن أهداف أخرى ـ لزيادة خبرة الفنيين الشبان العاملين فيها ممن بدأوا يعودون من البعثات التي أوفدوا بها إلى مصر وأوروبا، أو الذين اكتسبوا المهنة من خلال الممارسة والتدرب محليا وخارجيا. 

وفي الفترة التأسيسية أنتجت المؤسسة مجموعة من الأفلام القصيرة أكملت بها المجموعة الأولي التي تم إنتاجها أيام كان القطاع العام دائرة صغيرة في وزارة الثقافة والإرشاد القومي....كان الهدف من إنتاج تلك الأفلام ـ كما يقول صلاح دهني في دراسته التفصيلية عن تجربة السينما في سوريا، المنشورة في عدد مجلة المعرفة الخاص بالسينما العربية، كانون الثاني 1973 ـ تغطية وجوه مختلفة من الحياة الثقافية والاقتصادية والعمرانية والحياتية في سوريا مما كانت تطلبه سفاراتنا ومنظمتنا الطلابية في الخارج، وهيئات التليفزيون الصديقة، في سبيل تعريف العالم بسوريا في ماضيها العريق ونهضتها الحديثة. ولم تكن أفلام تلك الفترة التأسيسية تتميز بطابع البحث في مجال التحديث أو إيجاد لغة سينمائية جديدة وما إلى ذلك، بل كانت مجرد أفلام "نظيفة" مهنيا وسليمة فكريا صالحة لأداء المهمة التي وجدت من أجلها. ثم وجدت المؤسسة أن الأوان قد آن بعد تلك الفترة التمهيدية في عمل الفنيين واكتسابهم حدا معقولا من الخبرة للبدء بإنتاج أفلام طويلة.

يتحدث صلاح دهني في دراسته عن بداية تلك المرحلة فيقول: "أقدم المخرج محمد شاهين في تلك الفترة على تصوير فيلم طويل بعنوان "زهرة في المدينة"، غير أن هذا العمل لم ير النور آنذاك رغم كل ما ضمنه في القصة من رومانتيكية تتسم بحسن النية "مما يفترض أنه يتناسب وتفضيل الجمهور", وقصة الفيلم قصة شاب قروي يعمل في المدينة ويحاول التلاؤم مع شروط الحياة فيها، غير أن نداء الأرض يظل يلح عليه إلى أن يغادر المدينة وصخبها ثانية ويعود إلى القرية بروح جديدة.

أريد لهذا الفيلم في الأصل أن يكون فيلما قصيرا من نصف ساعة، يكمل قصة "طائر القرية"، الفيلم القصير التجريبي الذي كتبه وأخرجه للمؤسسة عام 1965 جان لطفي , فلعل هذا الجزء، إذا ما أضيف إلى الأول وتبع بجزء ثالث، حقق الكل فيلما متكاملا طويلا يحكي قصة ابن الريف الذي يحب أن يظل في أرضه ليعمرها بقوة وإيمان. غير أن المخرج وجد في القصة إمكانات تستحق معها أن تمد أحداثها لتسع فيلم طويل، لكن النتيجة أثبتت غير ذلك. وقد سعي المخرج في دأب مخلص عدة مرات إلى اختصار عمله ومونتاجه حتى عاد به في آخر صياغة له إلى نصف طوله الأول لكن الفيلم ظل ـ مع ذلك ـ غير قابل للعرض، وأجهضت فكرة الثلاثية.

بعد هذا استدعت المؤسسة العامة للسينما المخرج اليوغسلافي بوشكو فوتشينيتش، الذي سبق أن قدم خبرته للسينما السورية في وزارة الثقافة، وأخرج أول فيلم قصير تنتجه الوزارة عام 1960. وقد تم الاتفاق على أن يقوم هذا المخرج الضيف بإخراج أول فيلم سوري طويل ينتجه القطاع العام السينمائي، وقد أحاطت المؤسسة المخرج بالعديد من المساعدين ومجموعة من مختلف فئات الفنيين، لتلمس الطريق الصحيح إلى إنتاج الأفلام الطويلة في القطاع العام ، ووضع الأصول والقواعد على نمط ما يجري في بلد أكثر تطورا من سوريا سينمائيا.. وهكذا أنتج الفيلم الروائي الطويل الأول "سائق الشاحنة".وقد أثير آنذاك جدل طويل حول تولي مخرج أجنبي إخراج أول فيلم روائي "سوري"، ولكن لم يكن هناك بد من هذه البداية بعد الذي أوردناه حول موضوع المحاولة الأولي خاصة وأن جميع الذين حققوا هذا الفيلم من فنيين وممثلين كانوا من السوريين...ومع ذلك فقد ظل "سائق الشاحنة" الفيلم الروائي الأول الذي بدأت فيه المؤسسة إنتاجها في هذا المجال.


 محتوي صفحات الموقع ملكية فكرية ومن يقوم بالإقتباس والنشر بدون ذكر المصدر سوف يتعرض للمسأله القانونية

Copyright © 2001-2011 arabfilmtvschool.edu.eg,
All Rights Reserved
Dr. Mona El Sabban

 
مصر
سوريا
العراق
الكويت
تونس
الجزائر
المغرب