|
|
 |
حلقة
بحث مع المخرج
هنـري
بركـــات |
|
د/ منى
الصبان:
أستاذ هنرى
ما
هى علاقتك كمخرج بالمونتاج ؟ |
|
أ/ هنري بركات:
تعود علاقتي
بالمونتاج إلى زمن بعيد ، منذ بدأت عملي في المجال السينمائي ، وأذكر أول شخص
نبهني إلى ضرورة أن أقوم بتنمية وعي أو إدراك خاص بالمونتاج - والذي ينعكس على
عملي كمخرج – كان مصوراً
يدعى (كياريني) في أول فيلم عملت به ، ومن هنا بدأت العمل كمساعد مونتير مع
الفنانة (ماري كويني) ، ومن خلال مشاهدتي لها أثناء العمل ، حرصت على الإستفادة
القصوى من كل ما أراه ، فكنت أقوم بتوجيه الأسئلة عن التقنيات التي كانت تستخدم
آنذاك ، كيف يتم تنفيذها ومتى يتم استخدام إحدى هذه التقنيات ولماذا ؟ ثم قمت
بعد ذلك بتعليم نفسي من خلال التجربة .
كان أخي
يمتلك دار عرض سينمائي (سينما فيكتوريا) بمنطقة الظاهر ، وكنت أقوم باستعارة
الأفلام الأمريكية التي كانت تعرض في ذلك الوقت وأتوجه في أوقات متأخرة ليلاً
إلى ستديوهات ناصيبيان وأقوم بوضع الأفلام على المفيولا ، لأرى كيف تم تنفيذ
المونتاج ، وكنت أقوم بعمل تحليل كامل لعناصر الفيلم بهدف دراسته والتعلم منه .
وأذكر أنه كان لدي
اهتمام خاص بمشاهد المعارك والمطاردات ، وقد تعلمت بالفعل من خلال مشاهداتي
لهذه الأفلام وأفادتني التجربة كثيراً خلال حياتي المهنية . |
|
طالب :
هل كنت تقرأ عن
المونتاج في وقتها ؟ |
|
أ/ هنري بركات:
نعم ،
تنبهت في وقت مبكر إلى ضرورة البحث عن كتب تتحدث عن المونتاج فقرأت
كتباً – أذكر
منها على سبيل المثال – كتاب لـ (بدوفكين) ، أفادني كثيراً في عملي كمخرج ،
فالعلاقة بين الإخراج والمونتاج علاقة وطيدة جداً ،
ولابد
للمخرج من أن يكون لديه تصور مسبق لما سوف يكون عليه المونتاج أثناء تصوير
الفيلم ، وإلا فالنتيجة لن تكون متفقة تماماً لرؤيته للعمل ، ومن جهة أخرى ،
لابد للمخرج – كما سبق وقلت – أن ينمي
وعياً خاصاً
بالمونتاج وإدراكاً
لتقنياته المختلفة يتيح له التصرف بشكل جيد لمعالجة أي
جوانب قصور قد تحدث أثناء التصوير .
ولإضرب
لكم مثالاً لما حدث في ثالث فيلم قمت بإخراجه وكان بعنوان (المتهمة) لعب فيه
المونتاج دوراً أساسياً ،
فقد
قمت
بالإستعانة بالمونتاج لخلق شبه موازنة بين الدفاع والنيابة وبين مجموعة من
الأشخاص في مشهد لجلسة داخل المحكمة .
أيضاً بعد
الإنتهاء من تصوير الفيلم اكتشفت وجود جزء في منتصف الفيلم تقريباً يحتوى على
عدد من المشاهد الطويلة أكثر من اللازم ، وتوقعت أن تصيب المشاهد بالملل ،
واقترحت على منتجة الفيلم السيدة آسيا أن نقوم بحذف هذا الجزء بالكامل ، وكان
عبارة عن علبة ونصف – أي
مايقارب من أربعمائة
وخمسين
متراً – ولأسباب لا يتسع المجال هنا
لذكرها
، كان هناك صعوبة في الاستغناء عن هذا الجزء بكامله ، فقمت بإعادة
المونتاج
مشهداً
مشهداً بعد انتقاء
أفضل لقطات هذه المشاهد وحذف
اللقطات
التي رأيت أن وجودها لن يؤثر على إيقاع الفيلم ، وبعد انتهاء
المونتاج وصل طول
هذا الجزء إلى حوالي خمسة وثلاثين متراً فقط والتي كانت بطول أربعمائة
وخمسين
متراً وقادتني إعادة مونتاج هذا الجزء إلى فكرة أخرى
,وهي
أن أدع أحدى
بطلات الفيلم وهي الممثلة (أمينة نور الدين) أن تقوم بإلقاء تعليق على المشاهد
حتى يفهم
المتفرج الأحداث
التي تعرض على الشاشة ، وقد نجحت الفكرة عند عرض الفيلم نجاحاً كبيراً
بالإضافة إلى ما ذكرته عن حرفية المونتاج الذي يكتسبها المونتير من خلال
الدراسة أو القراءة أو خبرة العمل ، أريد أن
أؤكد
على أن كل ما سبق لابد وأن يكون مغلفاً بالإحساس بالمونتاج ، وهذه موهبة لابد
من توافرها لمن يعمل بالمونتاج كنقطة بداية تصقلها الدراسة والخبرة التي تميز
مونتير عن آخر ويظهر ذلك واضحاً في أسلوبه في العمل ، واحساسه بتوقيت القطع
وطول المشاهد وسرعة القطع التي تؤثر على إيقاع الفيلم . |
|
طالب :
وهل كانت
فكرة التعليق على أحداث الفيلم تنفذ لأول مرة ؟ |
|
أ/ هنري بركات:
يجوز ،
أنا لا أستطيع أن أجزم بأنها كانت المرة الأولى أم لا . عموماً تم انتاج الفيلم
عام 1942 |
|
طالب :
أعتقد أنها كانت المرة الأولى ،
لأنه
بعد هذا التاريخ ، قام
مخرجون
آخرون
بتنفيذ
هذه الفكرة مثل المخرج عز الدين ذو الفقار ، خاصة في عدد من الأفلام التي قام
بإخراجها للفنانة / فاتن حمامة .
التي
كانت تقوم فيه بدور الراوية أو يتم الإستعانة براو آخر يعلق على جزء من أحداث
الفيلم . |
|
أ/ هنري بركات:
فعلا ،
إنما أعود للتأكيد على أنني لجأت إلى هذه الفكرة في محاولة مني للتغلب على عيب
طول بعض المشاهد ، وقد نجحت الفكرة كما ذكرت . |
|
طالب :
هي فكرة
جيدة جداً بالتأكيد ، وتكمن جودتها في أن مجموعة الأحداث التي تضمنتها هذه
المشاهد أصبحت كالفوتومونتاج ويقوم الراوي بالتعليق
عليها
بما يتناسب مع
التطور الدرامي للأحداث . |
|
أ/ هنري بركات:
هناك
أيضاً ما يعرف
بالقطع
المتوازي Parallel cutting
وقد يكون هذا
النوع من القطع ميكانيكياً - ومثال ذلك المطاردات بين اللصوص والعسكر - أو يكون
متضمناً لفكرة ما يريد المخرج إيصالها إلى المتفرج . وأذكر أنني استخدمت ذلك
النوع من القطع المتوازي في فيلمين من أفلامي ، أحدهما بعنوان (هذا جناه أبي)
والآخر بعنوان (الباب المفتوح) . |
|

فاتن حمامة وحسن يوسف فى فيلم الباب المفتوح عام
6319
|
|
ففي فيلم الباب المفتوح قمت بتصوير مشهدين أحدهما للفنانة فاتن حمامة والآخر
للفنان حسن يوسف وكل منهما يفكر في الآخر ، وتم تنفيذ المونتاج بأسلوب القطع
المتوازي ، بناءاً
على التصور المسبق الذي تم وضعه عند التصوير . |
|
طالب :
إلى أى حد
يمكن أن يحدث المونتاج تغيرات في التصور المسبق الذي تم تصوير المشاهد على
أساسه ؟ وهل قمت بتنفيذ تغيرات جذرية للتصور الذي سبق وأعددته لأحد أفلامك ؟ |
|
أ/ هنري بركات:
حدث أكثر من مرة أن أحدثت تغيرات في بعض أفلامي من خلال المونتاج ، لكن
هذه التغيرات لا تصل إلى حد أن تصبح تغيرات جذرية ، حيث لا تتعدى عدة مشاهد فقط
، وعادةً ما يلجأ المخرج إلى هذا الأسلوب عندما يجد أن بعض المشاهد لم يتم
تنفيذها على الوجه الذي يتفق والتصور المسبق
لها
، وهنا يقوم المخرج بإعادة ترتيب المشاهد أو إعادة ترتيب لقطات المشهد الواحد ،
أو قد يقوم حتى بحذف أحد المشاهد أو عدد من اللقطات ، وذلك حتى يصل إلى الصورة
النهائية التي تعبر عن رؤيته الإخراجية من ناحية ، وتحافظ على إيقاع جيد يجتذب
المتفرج من ناحية أخرى . |
|
د/ منى
الصبان:
ألا تعتبر
أن الإحتياج إلى
إحداث
التغيير
من خلال المونتاج
عيب في الإخراج ؟ |
|
أ/ هنري بركات:
بالطبع لا
، فكما أشرت وكما تعلمون أنه يوجد في البداية ما أطلقنا عليه التصور المسبق
لمشاهد الفيلم ، يعقب ذلك مرحلة تصوير المشاهد وهنا قد يتعرض العمل لبعض
العوامل التي تؤثر على هذا التصور ، فقد يؤدي الأداء المتميز للممثلين إلى أن
يقوم المخرج بإطالة مدة أحد المشاهد أثناء تصويره ، وفي حالة تركه بالشكل الذي
تم تصويره به سوف يطغى على باقي مشاهد الفيلم ، مما يؤثر بدوره على إيقاع
الفيلم ككل ، فهنا يأتي دور المونتاج عندما يتدخل المخرج بتوجيه المونتير إلى
إحداث التعديل أو الحذف أو إعادة الترتيب ، كما سبق وأن قلت بما لا يؤثر سلباً
في السيناريو أو الحوار بل يصلح من إيقاع الفيلم .
وأذكر أن
آخر مسلسل تليفزيوني قمت بإخراجه – وبالمناسبة فإن المونتاج التليفزيوني لا
يختلف عن المونتاج السينمائي بشكل جوهري ، فالإختلاف لا يتعدى كونه إختلافاً في
التقنيات المستخدمة في كل منهما – المهم ، ونحن بصدد مونتاج المسلسل فوجئت
بتطويل في المشاهد خاصة فيما يتعلق بالحوار التمثيلي ، وقد يظن البعض أن
التطويل من أساسيات الأعمال التليفزيونية لكن الحقيقة أنه لو وصلت إلى نقطة وصف
العمل بالتطويل ، فلا شك أن ذلك سوف ينتج عنه تأثيراً
سلبياً
على المتفرج ، فأي
شئ
إذا زاد عن حده ينقلب إلى ضده ، ولم يكن أمامي مفر من التدخل المونتاجي بحذف
المشاهد أو اللقطات من المشاهد التي لن تؤثر على سير الحوار . |
|
د/ منى
الصبان:
مع مراعاة
ألا يحدث هذا الحذف صدمة
Shock
للمتفرج !! |
|
أ/ هنري بركات:
نعم ،
فيما يتعلق بالتدخل من خلال المونتاج بالتعديل أو بإعادة الترتيب ، أريد أن
أؤكد
على أن لجوء المخرج إليه يعود أساساً إلى حسه الفني المبني على تصوره المسبق
للعمل الذي يتفق ولاشك مع رؤيته الإخراجيه للعمل ، فقد يشعر المخرج أثناء
المونتاج أن ترتيب اللقطات
الذي تم
وضعه قبل التصوير وفقاً للسيناريو يجب إعادته وذلك للوصول للتأثير الأقوى في
المتفرج
أو ببساطة التأثير الأجمل من ناحية التشكيل ، وهذا لا يخضع لقواعد جامدة كما
أشرت بل إلى حس المخرج وحرفية المونتير
.
فمثلاً لو
أن
لدينا فيلماً بوليساً
،
فإن المخرجون
سيختلفون
في أرائهم
حسب المدارس
الإخراجية التي ينتمون إليها ، فالبعض يفضل مثلاً كشف المجرم قبل
انتهاء أحداث الفيلم في حين يفضل البعض الأخر الإحتفاظ بشخصية المجرم إلى نهاية
الفيلم ، كما
أن
البعض الآخر الذي يبدأ تصوره المسبق بالإتفاق مع كاتب السيناريو على الإحتفاظ
بشخصية المجرم إلى نهاية الفيلم ، ولكن – نعود هنا إلى الدور الذي يلعبه
المونتاج في إحداث التغيير –حيث
يكتشف
المونتير
أن هذا الأسلوب برغم توفيره لعنصر المفاجأة ، إلا أن المشاهد التي سبقت مشهد
كشف شخصية المجرم أو مشهد المفاجأة – لم تكن على المستوى المطلوب من ناحية
إيقاعها لكي تهيء
المتفرج
لتلقي المفاجأة ، وعليه فإن لم يستطع تغيير هذه المشاهد
فإنه
يستطيع ببساطة إجراء تعديل في
ترتيب اللقطات
بوضع مشهد كشف المجرم قبل هذه المشاهد . |
|
د/ منى
الصبان:
وهل
ما تم إجراؤه
هنا غير تماماً من إيقاع الفيلم
؟ |
|
أ/ هنري بركات:
طبعاً ،
أريد أن أقول
إن
كلاً من الأسلوبين يعتبر
نمطاً
Form
في
حد ذاته ,
والمونتاج يتيح للمخرج أن يتنقل من
احدهما
إلى الآخر وفقاً لحسه الفني ورؤيته الإخراجيه وما تمليه عليه أحياناً ظروف
التصوير . |
|
طالب :
أريد أن أسأل عن أحد المشاهد التي شاهدناها في فيلم (في بيتنا رجل)
|
|

زبيدة ثروت وعمر الشريف فى فيلم فى بيتنا رجل عام 1961 |
|
وهو مشهد المظاهرة
الشعبية التي حدثت فوق أحد الكباري ووصول قوات البوليس ليقوموا بمهمتهم في
تفريق المظاهرة ، فهل تخيلت هذا المشهد من خلال تصور مسبق قبل تصويره أم أن
ترتيب لقطاته جاء وفقاً لما أتاحه المونتاج ؟ |
|
أ/ هنري بركات:
بالنسبة
لهذا المشهد ، كان قد تم وضع التصور المسبق له في السيناريو في نقاط رئيسية
فقط . |
|
د/ منى
الصبان:
نعلم أنك
كاتب سيناريو هذا الفيلم ، فمتى كتبت ديكوباج هذا المشهد ؟ هل أثناء كتابة
السيناريو أم أثناء الإعداد أم ماذا ؟؟ |
|
أ/ هنري بركات:
لا ، حتى
لحظة التصوير لم يكن هناك ديكوباج معد لهذا المشهد ، بل تم وضعه بالكامل في
موقع التصوير ، فأثناء كتابة السيناريو ، كنت أعلم جيداً أنه سيتم تنفيذ هذا
المشهد بالتفصيل ، ففي السيناريو كان يوجد عناصر المشهد الأساسية ، كقدوم
المتظاهرين , وصول قوات البوليس , تلقيهم الأوامر , فتح الكوبري , المواجهة بين
المتظاهرين و قوات البوليس , قفز البطل إلى مياه النهر لكي يقوم بإنقاذ أحد
زملائه . كل ذلك كان موجوداً كترتيب لقطات تقريباً بنفس الشكل الذي ظهر عليه
المشهد , ثم تم وضع الديكوباج (تقطيع
المشهد) قبل التصوير مباشرة إلا أن الترتيب النهائي تم وضعه أثناء المونتاج على
المفيولا . |
|
د/ منى
الصبان:
هل تفضل
أن يقوم المخرج بكتابة الديكوباج قبل التصوير أم أن يترك بعض التفاصيل لكي يقوم
بخلقها المونتير
أثناء المونتاج
بعد أن
تقوم
بتصوير بعض اللقطات من أكثر من زاوية ؟؟ |
|
أ/ هنري بركات:
بالقطع لا
, فهذا يعني أن هناك ضعفاً في الأخراج أو أن المخرج غير متمكن من أدواته , أو
أن يكون المخرج غير ملمﹴ بتقنيات فن
المونتاج بالقدر الكافي , فحينئذ يلجأ إلى هذا الأسلوب الذي يضمن له النتيجة
النهائية التي يريدها , فيقوم بالتصوير من أكثر من زاوية ثم يترك الأختيار
للمونتير .
إنما
المخرج المتمكن يعلم تماماً أثناء إخراجه للعمل بإن هذه اللقطة سيتم قطعها في
هذه اللحظة ويعلم بنسبة قد تصل إلى ثمانين بالمائة المناطق التي سوف يقوم
المونتير بالقطع فيها . و قد يعتمد المخرج على المونتير في مشاهد المعارك أو
المطاردات
, أما
المشاهد التمثيلية فلابد أن يكون التصور معداً
مسبقاً و يتم تنفيذ المونتاج بناءاً
على التصوير . |
|
د/ منى
الصبان:
ألم تقم
بالتصوير بناءاً
على تصور مفصل كما أشرت , و عند المونتاج قابلتك مفاجأت خالفت هذا التصور ؟؟ |
|
أ/ هنري بركات:
لا أعتقد
أن هذا حدث معي , فعادة ما أتواجد في موقع التصوير قبل العمل بساعة على الأقل ,
ويكون معي المساعد و أحياناً المصور , ويكون تصور المشاهد الموجودة في خطة عمل
اليوم في ذهني جيداً و أرسم النقاط الهامة أو عناصر المشهد الأساسية على
السيناريو و مناطق القطع ... ألخ
. |
|
د/ منى
الصبان:
هل تقوم
بإعداد ديكوباج المشاهد قبل تصويرها بساعة ؟؟ |
|
أ/ هنري بركات:
تقريباً ,
و قد ساعدني على القيام بذلك , سابق عملي بالمونتاج وألمامي بتقنياته المختلفة
. و أذكر تجربة مررت بها أثناء إخراجي لفيلم
( سفر برلك)
في لبنان عام 1968 , و برغم أنه يفترض البحث عن مواقع التصوير كخطوة أولى يليها
كتابة السيناريو , إلا أن ظروف العمل أجبرتنا على كتابة السيناريو أولاً – و
الذي أشترك معي في كتابته
الأستاذ
كامل التلمساني ,
والأستاذ
عاصي الرحباني – ثم ذهبنا بعد ذلك للبحث عن مواقع التصوير , و أذكر أننا قضينا
حوالي أسبوع في التنقل من ضيعة إلى ضيعة ومن قرية إلى قرية إلى أن وقع أختيارنا
على بلدة تدعى
(بيت شباب) و ذلك لتوفر كل المقومات التي تجعلها صالحة لتصوير أحداث الفيلم ,
حيث كانت تقع في وادى أسفل ربوة
عالية و بها قصر مهجور مطابق تماماً للقصر الموجود بالسيناريو .
إلا أننا
عند التصوير واجهتنا مشكلة لأن أبعاد المكان لا تتناسب مع الفترات الزمنية
المحددة للحوار بالسيناريو , فاضطررنا للتوقف يوماً كاملاً لكي نتمكن من حل
المشكلة , فعرضت على
الأستاذ
عاصي الرحباني أن
يعيد كتابة حوار الفيلم بما يتناسب مع المكان , فكنا نذهب صباح كل يوم تصوير
ونقضي الفترة من السابعة صباحاً وحتى الثامنة والنصف في رسم المشهد على موقع
التصوير و يعيد
الأستاذ
عاصي كتابة الحوار بما يتناسب مع عناصر المكان . |
|
د/ منى
الصبان:
هذه تجربة
فريدة جداً , أن ترسم المشهد وفقاً للمكان , حيث أنه في العادة يتم
إعداد
المكان وتطويعه لكي يخدم السيناريو الموضوع مسبقاً!! |
|
أ/ هنري بركات:
نعم , لكن في حالتنا هذه لم يكن المكان متوفراً بل كان في خيال مؤلف
الرواية و لهذا يعتبر هذا الفيلم حالة خاصة جداً فالديكوباج و الحوار تم
إعدادهما
بناءاً
على موقع التصوير و لو أنه في فترات سابقة كنا نقوم – تحت ميزانيات جيدة و ظروف
عمل أفضل – ببناء ديكور الأفلام أستناداً
على
الديكوباج المبني على سيناريو الفيلم , إلا
أن ظروف العمل الحالية وتنفيذ أفلام كثيرة بميزانيات محدودة
, تجعلنا
نضطر إلى الأستغناء عن عناصر كثيرة لخفض التكلفة الأجمالية للفيلم
,
ومن أهم هذه العناصر الديكور والأكسسوار وغيرها
. |
|
و لا يخفى على أحد أن تصوير عدد كبير من الأفلام يتم داخل شقق سكنية , وفي
الغالب لا تتيح الشقة السكنية ما يريد أن يعكسه المخرج من خلال سيناريو الرواية
, فيضطر المخرج إلى أن يؤقلم السيناريو وفقاً للمكان ، ونعود هنا للتأكيد على
أنه لابد أن يمتلك المخرج الوعي بالمونتاج مائة بالمائة ، وأن يعلم تماماً
أثناء التصوير أين سيتم القطع ، ولا يتأتى هذا إلا بزيارة أو زيارات مسبقة
لموقع التصوير وإعداد الديكوباج أو بروفة كروكي للمشهد والمداخل والمخارج التي
تتحرك الشخصيات منها وإليها ، وخط سير كل منهم ، والحوار وكيف
سيتم
تقطيعه وتوزيعه على لقطات المشهد ، وأقوم باتباع هذا الأسلوب في العمل حتى الآن |
|
د/ منى
الصبان:
هل كنت
ستصل إلى هذا المستوى من فن الإخراج لو لم تكن عملت بالمونتاج في بداية حياتك
المهنية ؟؟ |
|
أ/ هنري بركات:
هناك فروق بين فن الإخراج وفن المونتاج ، لكن قطعاً إن لم أمتلك
الدراية الكافية بتقنيات فن المونتاج ، لأصبحت مخرجاً متواضع المستوى ، ولأصبحت
آليات الإخراج التي استخدمها ضعيفة ، أما عندما يمتلك المخرج هذا الوعي
بالمونتاج ،
فإنه
يستطيع أن يقوم بتسليم المونتير المادة الفيلمية جاهزة للتقطيع ،
ولا
ينقصها إلا أن يتعامل معها بحرفيته في ضبط القطع وضبط إيقاع الفيلم بشكل عام
|
|
د/ منى
الصبان:
حدثنا
قليلاً عن تجربة فيلم (دعاء الكروان) ، حيث أن
معظم
الطلبة
للأسف لم يشاهد بقية أعمالك القديمة؟؟ |
|

فاتن حمامة وأحمد مظهر فى فيلم دعاء الكروان عام 1959 |
|
أ/ هنري بركات:
أذكر أن
المشهد الذي تصاب فيه الفنانة أمينة رزق بالجنون وكان مشهداً مستقلاً بذاته ،
كنا أثناء كتابة السيناريو مترددين بين موقعين لوضعه في ترتيب المشاهد إلى أن
قررنا وضعه في موقع ما ، وبرغم هذا قمنا بالتغيير إلى الموقع الآخر بعد
مشاهدتنا للفيلم أثناء تنفيذ المونتاج . |
|
د/ منى
الصبان:
أتفضل
تنفيذ المونتاج لأفلامك بنفسك ؟ أم أن تستعين بمونتير للقيام بذلك ؟ |
|
أ/ هنري بركات:
كنت
قديماً أقوم بالمونتاج بنفسي وذلك حيث
لأنه
في فترات سابقة لم يكن يوجد
متخصصون
في فن المونتاج ، ولم يكن للمونتاج وضعه الحالي كمهنة وكفن ، وبعد ذلك ، وعندما
توفر المتخصصون
بدأت في الإستعانة بمونتير وأذكر أن أهم مونتير تعاون معي في أفلامي
كان الأستاذ
فتحي قاسم ، وبرغم عدم دراسته الأكادمية لفن المونتاج إلا أنه كان يمتلك حساً
فنياً سليماً قام بتنميته من خلال تفاعل موهبته الفطرية مع الخبرة العملية ،
ومن فرط ثقتي في عمله وبعد أعوام من التعاون المثمر بيننا ، كنت أقوم بتسليم
المادة الفيلمية ، وأتركه يقوم بعمل مونتاج الفيلم دون تدخل مني وأنا أثق تمام
الثقة بأن العمل سوف يتم تنفيذه تماماً كما أريد
. وكثيراً ما تصادم
الأستاذ
فتحي قاسم مع مخرجين بسبب عدم درايتهم الكاملة بالمونتاج وتسليمه مواد فيلمية
غير صالحة
للتركيب ,
ويصعب عليه
الخروج منها بنتيجة نهائية سليمة فنياً أو مرضية لرؤية مخرجها .وكثيراً ما توقف
مخرجون عن الإستعانة به في أفلامهم – إلا أنه والحق يقال كان لديه كل الحق في
صدامه معهم لفهمه الكامل ووعيه بتقنيات عمله . |
|
طالب :
أود أن
أسأل عن مونتاج الأغاني
, فالمعروف
أنك أخرجت عدداً كبيراً من الأفلام الغنائية ، خاصة للمطرب فريد الأطرش ،
ونظراً للمقولة التي تقرر أن الأغنية دائماً ما تعطل الدراما ، نريد أن نعرف
كيف كنت تحل هذه المعادل |