حلقة بحث مع المخرج

هنـري بركـــات

د/ منى الصبان:

        أستاذ هنرى ما هى علاقتك كمخرج بالمونتاج ؟

أ/ هنري بركات:

          تعود علاقتي بالمونتاج إلى زمن بعيد ، منذ بدأت عملي في المجال السينمائي ، وأذكر أول شخص نبهني إلى ضرورة أن أقوم بتنمية وعي أو إدراك خاص بالمونتاج - والذي ينعكس على عملي كمخرج كان مصوراً يدعى (كياريني) في أول فيلم عملت به ، ومن هنا بدأت العمل كمساعد مونتير مع الفنانة (ماري كويني) ، ومن خلال مشاهدتي لها أثناء العمل ، حرصت على الإستفادة القصوى من كل ما أراه ، فكنت أقوم بتوجيه الأسئلة عن التقنيات التي كانت تستخدم آنذاك ، كيف يتم تنفيذها ومتى يتم استخدام إحدى هذه التقنيات ولماذا ؟ ثم قمت بعد ذلك بتعليم نفسي من خلال التجربة .

        كان أخي يمتلك دار عرض سينمائي (سينما فيكتوريا) بمنطقة الظاهر ، وكنت أقوم باستعارة الأفلام الأمريكية التي كانت تعرض في ذلك الوقت وأتوجه في أوقات متأخرة ليلاً إلى ستديوهات ناصيبيان وأقوم بوضع الأفلام على المفيولا ، لأرى كيف تم تنفيذ المونتاج ، وكنت أقوم بعمل تحليل كامل لعناصر الفيلم بهدف دراسته والتعلم منه . وأذكر أنه كان لدي اهتمام خاص بمشاهد المعارك والمطاردات ، وقد تعلمت بالفعل من خلال مشاهداتي لهذه الأفلام وأفادتني التجربة كثيراً خلال حياتي المهنية .

طالب  :

          هل كنت تقرأ عن المونتاج في وقتها ؟

أ/ هنري بركات:

        نعم ، تنبهت في وقت مبكر إلى ضرورة البحث عن كتب تتحدث عن المونتاج فقرأت كتباً أذكر منها على سبيل المثال كتاب لـ (بدوفكين) ، أفادني كثيراً في عملي كمخرج ، فالعلاقة بين الإخراج والمونتاج علاقة وطيدة جداً ، ولابد للمخرج من أن يكون لديه تصور مسبق لما سوف يكون عليه المونتاج أثناء تصوير الفيلم ، وإلا فالنتيجة لن تكون متفقة تماماً لرؤيته للعمل ، ومن جهة أخرى ، لابد للمخرج كما سبق وقلت أن ينمي وعياً خاصاً بالمونتاج وإدراكاً لتقنياته المختلفة يتيح له التصرف بشكل جيد لمعالجة أي جوانب قصور قد تحدث أثناء التصوير .

        ولإضرب لكم مثالاً لما حدث في ثالث فيلم قمت بإخراجه وكان بعنوان (المتهمة) لعب فيه المونتاج دوراً أساسياً ، فقد قمت بالإستعانة بالمونتاج لخلق شبه موازنة بين الدفاع والنيابة وبين مجموعة من الأشخاص في مشهد لجلسة داخل المحكمة .

        أيضاً بعد الإنتهاء من تصوير الفيلم اكتشفت وجود جزء في منتصف الفيلم تقريباً يحتوى على عدد من المشاهد الطويلة أكثر من اللازم ، وتوقعت أن تصيب المشاهد بالملل ، واقترحت على منتجة الفيلم السيدة آسيا أن نقوم بحذف هذا الجزء بالكامل ، وكان عبارة عن علبة ونصف أي مايقارب من أربعمائة وخمسين متراً ولأسباب لا يتسع المجال هنا لذكرها ، كان هناك صعوبة في الاستغناء عن هذا الجزء بكامله ، فقمت بإعادة المونتاج مشهداً مشهداً بعد انتقاء أفضل لقطات هذه المشاهد وحذف اللقطات التي رأيت أن وجودها لن يؤثر على إيقاع الفيلم ، وبعد انتهاء المونتاج وصل طول هذا الجزء إلى حوالي خمسة وثلاثين متراً فقط والتي كانت بطول أربعمائة وخمسين متراً  وقادتني إعادة مونتاج هذا الجزء إلى فكرة أخرى ,وهي أن أدع أحدى بطلات الفيلم وهي الممثلة (أمينة نور الدين) أن تقوم بإلقاء تعليق على المشاهد حتى يفهم المتفرج الأحداث التي تعرض على الشاشة ، وقد نجحت الفكرة عند عرض الفيلم نجاحاً كبيراً  بالإضافة إلى ما ذكرته عن حرفية المونتاج الذي يكتسبها المونتير من خلال الدراسة أو القراءة أو خبرة العمل ، أريد أن أؤكد على أن كل ما سبق لابد وأن يكون مغلفاً بالإحساس بالمونتاج ، وهذه موهبة لابد من توافرها لمن يعمل بالمونتاج كنقطة بداية تصقلها الدراسة والخبرة التي تميز مونتير عن آخر ويظهر ذلك واضحاً في أسلوبه في العمل ، واحساسه بتوقيت القطع وطول المشاهد وسرعة القطع التي تؤثر على إيقاع الفيلم .

طالب  :

        وهل كانت فكرة التعليق على أحداث الفيلم تنفذ لأول مرة ؟

أ/ هنري بركات:

        يجوز ، أنا لا أستطيع أن أجزم بأنها كانت المرة الأولى أم لا . عموماً تم انتاج الفيلم عام 1942

طالب  :

        أعتقد أنها كانت المرة الأولى ، لأنه بعد هذا التاريخ ، قام مخرجون آخرون بتنفيذ هذه الفكرة مثل المخرج عز الدين ذو الفقار ، خاصة في عدد من الأفلام التي قام بإخراجها للفنانة / فاتن حمامة . التي كانت تقوم فيه بدور الراوية أو يتم الإستعانة براو آخر يعلق على جزء من أحداث الفيلم .

أ/ هنري بركات:

        فعلا ، إنما أعود للتأكيد على أنني لجأت إلى هذه الفكرة في محاولة مني للتغلب على عيب طول بعض المشاهد ، وقد نجحت الفكرة كما ذكرت .

طالب  :

        هي فكرة جيدة جداً بالتأكيد ، وتكمن جودتها في أن مجموعة الأحداث التي تضمنتها هذه المشاهد أصبحت كالفوتومونتاج  ويقوم الراوي بالتعليق عليها بما يتناسب مع التطور الدرامي للأحداث .

أ/ هنري بركات:

        هناك أيضاً ما يعرف بالقطع المتوازي Parallel cutting   وقد يكون هذا النوع من القطع ميكانيكياً - ومثال ذلك المطاردات بين اللصوص والعسكر - أو يكون متضمناً لفكرة ما يريد المخرج إيصالها إلى المتفرج . وأذكر أنني استخدمت ذلك النوع من القطع المتوازي في فيلمين من أفلامي ، أحدهما بعنوان (هذا جناه أبي) والآخر بعنوان (الباب المفتوح) .

فاتن حمامة وحسن يوسف فى فيلم الباب المفتوح عام 6319

ففي فيلم الباب المفتوح قمت بتصوير مشهدين أحدهما للفنانة فاتن حمامة والآخر للفنان حسن يوسف وكل منهما يفكر في الآخر ، وتم تنفيذ المونتاج بأسلوب القطع المتوازي ، بناءاً على التصور المسبق الذي تم وضعه عند التصوير .

طالب  :

        إلى أى حد يمكن أن يحدث المونتاج تغيرات في التصور المسبق الذي تم تصوير المشاهد على أساسه ؟ وهل قمت بتنفيذ تغيرات جذرية للتصور الذي سبق وأعددته لأحد أفلامك ؟

أ/ هنري بركات:

        حدث أكثر من مرة أن أحدثت تغيرات في بعض أفلامي من خلال المونتاج ، لكن هذه التغيرات لا تصل إلى حد أن تصبح تغيرات جذرية ، حيث لا تتعدى عدة مشاهد فقط ، وعادةً ما يلجأ المخرج إلى هذا الأسلوب عندما يجد أن بعض المشاهد لم يتم تنفيذها على الوجه الذي يتفق والتصور المسبق لها ، وهنا يقوم المخرج بإعادة ترتيب المشاهد أو إعادة ترتيب لقطات المشهد الواحد ، أو قد يقوم حتى بحذف أحد المشاهد أو عدد من اللقطات ، وذلك حتى يصل إلى الصورة النهائية التي تعبر عن رؤيته الإخراجية من ناحية ، وتحافظ على إيقاع جيد يجتذب المتفرج من ناحية أخرى .

د/ منى الصبان:

        ألا تعتبر أن الإحتياج إلى إحداث التغيير من خلال المونتاج عيب في الإخراج ؟

أ/ هنري بركات:

        بالطبع لا ، فكما أشرت وكما تعلمون أنه يوجد في البداية ما أطلقنا عليه التصور المسبق لمشاهد الفيلم ، يعقب ذلك مرحلة تصوير المشاهد وهنا قد يتعرض العمل لبعض العوامل التي تؤثر على هذا  التصور ، فقد يؤدي الأداء المتميز للممثلين إلى أن يقوم المخرج بإطالة مدة أحد المشاهد أثناء تصويره ، وفي حالة تركه بالشكل الذي تم تصويره به سوف يطغى على باقي مشاهد الفيلم ، مما يؤثر بدوره على إيقاع الفيلم ككل ، فهنا يأتي دور المونتاج عندما يتدخل المخرج بتوجيه المونتير إلى إحداث التعديل أو الحذف أو إعادة الترتيب ، كما سبق وأن قلت بما لا يؤثر سلباً في السيناريو أو الحوار بل يصلح من إيقاع الفيلم .

        وأذكر أن آخر مسلسل تليفزيوني قمت بإخراجه وبالمناسبة فإن المونتاج التليفزيوني لا يختلف عن المونتاج السينمائي بشكل جوهري ، فالإختلاف لا يتعدى كونه إختلافاً في التقنيات المستخدمة في كل    منهما المهم ، ونحن بصدد مونتاج المسلسل فوجئت بتطويل في المشاهد خاصة فيما يتعلق بالحوار  التمثيلي ، وقد يظن البعض أن التطويل من أساسيات الأعمال التليفزيونية لكن الحقيقة أنه لو وصلت إلى نقطة وصف العمل بالتطويل ، فلا شك أن ذلك سوف ينتج عنه تأثيراً سلبياً على المتفرج ، فأي شئ إذا زاد عن حده ينقلب إلى ضده ، ولم يكن أمامي مفر من التدخل المونتاجي بحذف المشاهد أو اللقطات من المشاهد التي لن تؤثر على سير الحوار .

د/ منى الصبان:

        مع مراعاة ألا يحدث هذا الحذف صدمة   Shock للمتفرج !!

أ/ هنري بركات:

        نعم ، فيما يتعلق بالتدخل من خلال المونتاج بالتعديل أو بإعادة الترتيب ، أريد أن أؤكد على أن لجوء المخرج إليه يعود أساساً إلى حسه الفني المبني على تصوره المسبق للعمل الذي يتفق ولاشك مع رؤيته الإخراجيه للعمل ، فقد يشعر المخرج أثناء المونتاج أن ترتيب اللقطات الذي تم وضعه قبل التصوير وفقاً للسيناريو يجب إعادته وذلك للوصول للتأثير الأقوى في المتفرج أو ببساطة التأثير الأجمل من ناحية التشكيل ، وهذا لا يخضع لقواعد جامدة كما أشرت بل إلى حس المخرج وحرفية المونتير .

        فمثلاً لو أن لدينا فيلماً بوليساً ، فإن المخرجون سيختلفون في أرائهم حسب المدارس الإخراجية التي ينتمون إليها ، فالبعض يفضل مثلاً كشف المجرم قبل انتهاء أحداث الفيلم في حين يفضل البعض الأخر الإحتفاظ بشخصية المجرم إلى نهاية الفيلم ، كما أن البعض الآخر الذي يبدأ تصوره المسبق بالإتفاق مع كاتب السيناريو على الإحتفاظ بشخصية المجرم إلى نهاية الفيلم ، ولكن نعود هنا إلى الدور الذي يلعبه المونتاج في إحداث التغيير حيث يكتشف المونتير أن هذا الأسلوب برغم توفيره لعنصر المفاجأة ، إلا أن المشاهد التي سبقت مشهد كشف شخصية المجرم أو مشهد المفاجأة لم تكن على المستوى المطلوب من ناحية إيقاعها لكي تهيء المتفرج لتلقي المفاجأة ، وعليه فإن لم يستطع تغيير هذه المشاهد فإنه يستطيع ببساطة إجراء تعديل في ترتيب اللقطات  بوضع مشهد كشف المجرم قبل هذه المشاهد .

د/ منى الصبان:

        وهل ما تم إجراؤه هنا  غير تماماً من إيقاع الفيلم ؟

أ/ هنري بركات:

        طبعاً ، أريد أن أقول إن كلاً من الأسلوبين يعتبر نمطاً Form  في حد ذاته , والمونتاج يتيح للمخرج أن يتنقل من احدهما إلى الآخر وفقاً لحسه الفني ورؤيته الإخراجيه وما تمليه عليه أحياناً ظروف التصوير .

طالب  :

        أريد أن أسأل عن أحد المشاهد التي شاهدناها في فيلم (في بيتنا رجل)

زبيدة ثروت وعمر الشريف فى فيلم فى بيتنا رجل عام 1961

وهو مشهد المظاهرة الشعبية التي حدثت فوق أحد الكباري ووصول قوات البوليس ليقوموا بمهمتهم في تفريق المظاهرة ، فهل تخيلت هذا المشهد من خلال تصور مسبق قبل تصويره أم أن ترتيب لقطاته جاء وفقاً لما أتاحه المونتاج ؟

أ/ هنري بركات:

        بالنسبة لهذا المشهد ، كان قد تم وضع التصور المسبق له في السيناريو في نقاط رئيسية فقط .

د/ منى الصبان:

        نعلم أنك كاتب سيناريو هذا الفيلم ، فمتى كتبت ديكوباج هذا المشهد ؟ هل أثناء كتابة السيناريو أم أثناء الإعداد أم ماذا ؟؟

أ/ هنري بركات:

        لا ، حتى لحظة التصوير لم يكن هناك ديكوباج معد لهذا المشهد ، بل تم وضعه بالكامل في موقع التصوير ، فأثناء كتابة السيناريو ، كنت أعلم جيداً أنه سيتم تنفيذ هذا المشهد بالتفصيل ، ففي السيناريو كان يوجد عناصر المشهد الأساسية ، كقدوم المتظاهرين , وصول قوات البوليس , تلقيهم الأوامر , فتح الكوبري , المواجهة بين المتظاهرين و قوات البوليس , قفز البطل إلى مياه النهر لكي يقوم بإنقاذ أحد زملائه . كل ذلك كان موجوداً كترتيب لقطات تقريباً بنفس الشكل الذي ظهر عليه المشهد , ثم تم وضع الديكوباج (تقطيع المشهد) قبل التصوير مباشرة إلا أن الترتيب النهائي تم وضعه أثناء المونتاج على المفيولا .

د/ منى الصبان:

        هل تفضل أن يقوم المخرج بكتابة الديكوباج قبل التصوير أم أن يترك بعض التفاصيل لكي يقوم بخلقها المونتير أثناء المونتاج بعد أن تقوم بتصوير بعض اللقطات من أكثر من زاوية ؟؟

أ/ هنري بركات:

        بالقطع لا , فهذا يعني أن هناك ضعفاً في الأخراج أو أن المخرج غير متمكن من أدواته , أو أن يكون المخرج غير ملمﹴ بتقنيات فن المونتاج بالقدر الكافي , فحينئذ يلجأ إلى هذا الأسلوب الذي يضمن له النتيجة النهائية التي يريدها , فيقوم بالتصوير من أكثر من زاوية ثم يترك الأختيار للمونتير .

        إنما المخرج المتمكن يعلم تماماً أثناء إخراجه للعمل بإن هذه اللقطة سيتم قطعها في هذه اللحظة ويعلم بنسبة قد تصل إلى ثمانين بالمائة المناطق التي سوف يقوم المونتير بالقطع فيها . و قد يعتمد المخرج على المونتير في مشاهد المعارك أو المطاردات , أما المشاهد التمثيلية فلابد أن يكون التصور معداً مسبقاً و يتم تنفيذ المونتاج بناءاً على التصوير .

د/ منى الصبان:

        ألم تقم بالتصوير بناءاً على تصور مفصل كما أشرت , و عند المونتاج قابلتك مفاجأت خالفت هذا التصور ؟؟

أ/ هنري بركات:

        لا أعتقد أن هذا حدث معي , فعادة ما أتواجد في موقع التصوير قبل العمل بساعة على الأقل , ويكون معي المساعد و أحياناً المصور , ويكون تصور المشاهد الموجودة في خطة عمل اليوم في ذهني جيداً و أرسم النقاط الهامة أو عناصر المشهد الأساسية على السيناريو و مناطق القطع ... ألخ .

د/ منى  الصبان:

        هل تقوم بإعداد ديكوباج المشاهد قبل تصويرها بساعة  ؟؟

أ/ هنري بركات:

        تقريباً , و قد ساعدني على القيام بذلك , سابق عملي بالمونتاج وألمامي بتقنياته المختلفة .       و أذكر تجربة مررت بها أثناء إخراجي لفيلم ( سفر برلك) في لبنان عام 1968 , و برغم أنه يفترض البحث عن مواقع التصوير كخطوة أولى يليها كتابة السيناريو , إلا أن ظروف العمل أجبرتنا على كتابة السيناريو أولاً و الذي أشترك معي في كتابته الأستاذ  كامل التلمساني , والأستاذ عاصي الرحباني ثم ذهبنا بعد ذلك للبحث عن مواقع التصوير , و أذكر أننا قضينا حوالي أسبوع في التنقل من ضيعة إلى ضيعة ومن قرية إلى قرية إلى أن وقع أختيارنا على بلدة تدعى (بيت شباب) و ذلك لتوفر كل المقومات التي تجعلها صالحة لتصوير أحداث الفيلم , حيث كانت تقع في وادى أسفل ربوة عالية و بها قصر مهجور مطابق تماماً للقصر الموجود بالسيناريو .

        إلا أننا عند التصوير واجهتنا مشكلة لأن أبعاد المكان لا تتناسب مع الفترات الزمنية المحددة للحوار بالسيناريو , فاضطررنا للتوقف يوماً كاملاً لكي نتمكن من حل المشكلة , فعرضت على الأستاذ عاصي الرحباني أن يعيد كتابة حوار الفيلم بما يتناسب مع المكان , فكنا نذهب صباح كل يوم تصوير ونقضي الفترة من السابعة صباحاً وحتى الثامنة والنصف في رسم المشهد على موقع التصوير و يعيد الأستاذ عاصي كتابة الحوار بما يتناسب مع عناصر المكان .

د/ منى الصبان:

        هذه تجربة فريدة جداً , أن ترسم المشهد وفقاً للمكان , حيث أنه في العادة يتم إعداد المكان وتطويعه لكي يخدم السيناريو الموضوع مسبقاً!!

أ/ هنري بركات:

        نعم , لكن في حالتنا هذه لم يكن المكان متوفراً بل كان في خيال مؤلف الرواية و لهذا يعتبر هذا الفيلم حالة خاصة جداً فالديكوباج و الحوار تم إعدادهما بناءاً على موقع التصوير و لو أنه في فترات سابقة كنا نقوم تحت ميزانيات جيدة و ظروف عمل أفضل ببناء ديكور الأفلام أستناداً على الديكوباج المبني على سيناريو الفيلم , إلا أن ظروف العمل الحالية وتنفيذ أفلام كثيرة بميزانيات محدودة , تجعلنا نضطر إلى الأستغناء عن عناصر كثيرة لخفض التكلفة الأجمالية للفيلم , ومن أهم هذه العناصر الديكور والأكسسوار وغيرها .
و لا يخفى على أحد أن تصوير عدد كبير من الأفلام يتم داخل شقق سكنية , وفي الغالب لا تتيح الشقة السكنية ما يريد أن يعكسه المخرج من خلال سيناريو الرواية , فيضطر المخرج إلى أن يؤقلم السيناريو وفقاً للمكان ، ونعود هنا للتأكيد على أنه لابد أن يمتلك المخرج الوعي بالمونتاج مائة بالمائة ، وأن يعلم تماماً أثناء التصوير أين سيتم القطع ، ولا يتأتى هذا إلا بزيارة أو زيارات مسبقة لموقع التصوير وإعداد الديكوباج أو بروفة كروكي للمشهد والمداخل والمخارج التي تتحرك الشخصيات منها وإليها ، وخط سير كل منهم ، والحوار وكيف سيتم تقطيعه وتوزيعه على لقطات المشهد ، وأقوم باتباع هذا الأسلوب في العمل حتى الآن

د/ منى الصبان:

        هل كنت ستصل إلى هذا المستوى من فن الإخراج لو لم تكن عملت بالمونتاج في بداية حياتك المهنية ؟؟

أ/ هنري بركات:

        هناك فروق بين فن الإخراج وفن المونتاج ، لكن قطعاً إن لم أمتلك الدراية الكافية بتقنيات فن المونتاج ، لأصبحت مخرجاً متواضع المستوى ، ولأصبحت آليات الإخراج التي استخدمها  ضعيفة ، أما عندما يمتلك المخرج هذا الوعي بالمونتاج ، فإنه يستطيع أن يقوم بتسليم المونتير المادة الفيلمية جاهزة للتقطيع ، ولا ينقصها إلا أن يتعامل معها بحرفيته في ضبط القطع وضبط إيقاع الفيلم بشكل عام

د/ منى الصبان:

        حدثنا قليلاً عن تجربة فيلم (دعاء الكروان) ، حيث أن معظم الطلبة للأسف لم يشاهد بقية أعمالك القديمة؟؟

فاتن حمامة وأحمد مظهر فى فيلم دعاء الكروان عام 1959

 

أ/ هنري بركات:

        أذكر أن المشهد الذي تصاب فيه الفنانة أمينة رزق بالجنون وكان مشهداً مستقلاً بذاته ، كنا أثناء كتابة السيناريو مترددين بين موقعين لوضعه في ترتيب المشاهد إلى أن قررنا وضعه في موقع ما ، وبرغم هذا قمنا بالتغيير إلى الموقع الآخر بعد مشاهدتنا للفيلم أثناء تنفيذ المونتاج .

د/ منى الصبان:                       

        أتفضل تنفيذ المونتاج لأفلامك بنفسك ؟ أم أن تستعين بمونتير للقيام بذلك ؟

أ/ هنري بركات:

        كنت قديماً أقوم بالمونتاج بنفسي وذلك حيث لأنه في فترات سابقة لم يكن يوجد متخصصون في فن المونتاج ، ولم يكن للمونتاج وضعه الحالي كمهنة وكفن ، وبعد ذلك ، وعندما توفر المتخصصون بدأت في الإستعانة بمونتير وأذكر أن أهم مونتير تعاون معي في أفلامي كان الأستاذ فتحي قاسم ، وبرغم عدم دراسته الأكادمية لفن المونتاج  إلا أنه كان يمتلك حساً فنياً سليماً قام بتنميته من خلال تفاعل موهبته الفطرية مع الخبرة العملية ، ومن فرط ثقتي في عمله وبعد أعوام من التعاون المثمر بيننا ، كنت أقوم بتسليم المادة الفيلمية ، وأتركه يقوم بعمل مونتاج الفيلم دون تدخل مني وأنا أثق تمام الثقة بأن العمل سوف يتم تنفيذه تماماً كما أريد . وكثيراً ما تصادم الأستاذ فتحي قاسم مع مخرجين بسبب عدم درايتهم الكاملة بالمونتاج وتسليمه مواد فيلمية غير صالحة للتركيب , ويصعب عليه الخروج منها بنتيجة نهائية سليمة فنياً أو مرضية لرؤية مخرجها .وكثيراً ما توقف مخرجون عن الإستعانة به في أفلامهم إلا أنه والحق يقال كان لديه كل الحق في صدامه معهم لفهمه الكامل ووعيه بتقنيات عمله .

طالب  :

        أود أن أسأل عن مونتاج الأغاني , فالمعروف أنك أخرجت عدداً كبيراً من الأفلام الغنائية ، خاصة للمطرب فريد الأطرش ، ونظراً للمقولة التي تقرر أن الأغنية دائماً ما تعطل الدراما ، نريد أن نعرف كيف كنت تحل هذه المعادلة ؟ وما المدة التي تعتبرها مناسبة للأغنية بحيث لا تكون معطلة للدراما ؟؟

/ هنري بركات:

        هذه المسألة كانت موضع خلاف بيني وبين المطربين وخاصة فريد الأطرش

الفنان فريد الأطرش

فعلى حين يفترض ألا تزيد الأغنية في الفيلم عن ثلاث دقائق ، تجد أن أغاني فريد الأطرش كانت لاتقل بحال من الأحوال عن ست دقائق وفي أحيان أخرى تصل إلى عشر دقائق كاملة ، فبالإضافة إلى ضرورة تناغم كلمات الأغنية ولحنها مع النسيج الدرامي للفيلم ، يجب ألا تزيد مدتها عن ثلاث دقائق لكي يتحملها الجمهور وقد توافر ذلك في أغاني فيلم شاطئ الغرام ، وأغاني فريد الأطرش كانت تتمتع بالشرط الأول إلا أنه كان يعيبها طول مدتها ، وكان فريد الأطرش يصر على عدم المساس بأغنياته بحذف أي جزء منها أو بتقصير مدتها بأي صورة من الصور ، وكان مرجعه إلى ذلك كما كان يقول معرفته التامة بذوق جمهوره ، على مستوى البلدان العربية كلها ، وقد اقتنعت برأيه على مدار الأعوام بحكم النجاحات التي كانت تحققها هذه الأغاني وفيما يتعلق بتصوير الأغنية ، قد يظن بعضهم أن تصوير المطرب وهو يغني لمدة لاتقل عن ثلاث دقائق قد يكون أحد عناصر الملل الذي يصيب المتفرج , إلا أن حب جمهور المشاهدين لمطربهم المفضل الذي كان يعتبر السبب الأساسي في مشاهدتهم للفيلم كان يجعلهم يتحملون مدة عرض الأغنية والتي قد تصل إلى عشر دقائق في بعض الأحيان ، فكنت لا أتكلف عناء تصوير أي لقطات أخرى لمشاهد طبيعية مثلاً أو القمر أو النجوم ، بل كنت أعطي الجمهور ما يريد ، فإن أراد فريد الأطرش أعطيهم فريد الأطرش أو عبد الحليم حافظ أو محمد فوزي كما هم كمطربين .

طالبة  :

        يحدث هذا فعلاً ، لدرجة أنني سمعت أنه في وسط أفريقيا اعتاد المشاهدون أثناء عرض أفلام فريد الأطرش أن يجلسوا فى مقهى بجوار دار العرض أثناء عرض الدراما الفيلمية ويدخلون دار العرض أثناء الأغاني فقط فحقيقة كان لكل من المطربين جمهور خاص جداً !!

أ/ هنري بركات:

        فعلاً ، جمهور يذهب لمشاهدة الفيلم من أجل مطربه المفضل كما سبق وأشرت .

طالب  :

        هل كان يتم كتابة السيناريو وفقاً لأغاني المطرب أم أن الأغاني كان يتم كتابتها وفقاً للسيناريو ؟؟

أ/ هنري بركات:

        يفترض أنه عند إعداد الفيلم ، يتم تحديد المواقع التي يمكن أن تتيح الدراما المجال فيها لوضع أغنية  وهكذا .. ثلاث أو أربع أغنيات يتم كتابتها بحيث تتفق والسياق الدرامي لأحداث الفيلم ، ويتم مراعاة وضعها بحيث لاتخل بإيقاع الفيلم .

طالب  :

        وهل يمكن وضع أغنيات لا علاقة بينها وبين المشهد التي توضع به ؟

أ/ هنري بركات:

        لا ، وعادة ما نعتمد على براعة كاتب السيناريو في تركيب المشهد الذي يبرر للمطرب أن يؤدي أغنيته .

د/ منى الصبان:

        وهل يمكن أن يتم إعداد موضوع فيلم بناءاً على عدد من الأغنيات لأحد المطربين ؟؟

أ/ هنري بركات:

        أنا شخصياً لم أقم بهذه التجربة من قبل فدائماً ما كنت أقوم بإعداد الفيلم أولاً ثم أقوم بوضع الأغاني المناسبة لهذا الموضوع .

طالبة  :

        ولكن ألا يمكن أن تكون الأغنيات معدة قبل إعداد موضوع الفيلم ؟؟

د/ منى الصبان:

        هذا هو ما قصدته تماماً

أ/ هنري بركات:

        يمكن أن يتم هذا بين المطرب وملحن الأغنيات من ناحية وبين كاتب الرواية من ناحية أخرى لكن في مرحلة سابقة للإخراج .

طالب  :

        فيما يتعلق بإشكالية استغلال جماهيرية أحد المطربين للقيام ببطولة فيلم درامي ، فالآراء المختلفة التي قد تتعارض مع هذا الأسلوب كلية بحجة ضرورة مراعاة جدية السينما والأعمال الدرامية على وجه الخصوص , وقد تتفق مع هذا الأسلوب على أساس أن لغة السينما تعتمد على المتعة كأحد أهم عناصرها ، شريطة أن يتم توظيف الأغاني بشكل جيد يتفق والنسيج الدرامي للفيلم .

د/ منى الصبان:

        هذا مع الأخذ في الإعتبار ، أنه ليس كل فيلم يصلح أن يتضمن أغنيات !!

طالب  :

        ولم لا ، فقد رأينا أعمالا درامية أذكر منها فيلم المخرج يوسف شاهين بعنوان (عودة الأبن الضال) والذي تضمن مجموعة من الأغنيات , وعدداً من الأفلام المبنية على أعمال درامية كالتي قام بها الفنان عبد الحليم حافظ وكانت ناجحة جداً .

أ/ هنري بركات:

        الإشكالية التي تحدثتم عنها كانت موجودة منذ بداية تاريخنا السينمائي حيث بدأت الحاجة إلى إضافة الأغاني للأفلام المصرية وذلك لتيسير توزيعها في الأسواق العربية ، فدول شمال أفريقيا والمغرب العربي وبلاد الشام وماحولها لم يكن أهلها يفهمون اللهجة المصرية في البداية ، تماماً كما أن أهل مصر يصعب عليهم فهم اللهجة اللبنانية مثلاً ، وقد رأيت بعيني أثناء عرض فيلم (سفر برلك) مدى صعوبة فهم اللهجة اللبنانية من قبل الجمهور المصري ، وكما قلت فإن الموزع العربي كان يحرص على تأكيد أهمية الأغاني والرقصات في الفيلم قبل الإتفاق على توزيعه لعلمه أن هذين العنصرين يضمنان اقبال المتفرج العربي على مشاهدة الفيلم   ثم بعد ذلك ، وبمرور أعوام من اعتياد مشاهدة المتفرج العربي للأفلام المصرية أصبحت اللهجة المصرية مفهومة لديه تماماً ، في تطور أمبريالي واضح

د/ منى الصبان:

        هل من الممكن أن توضح لنا أكثر كيفية وصولك إلى هذه النتيجة ؟

أ/ هنري بركات:

        المعنى واضح ، فالإستعمار الآن لا يعتمد على توجيه الجيوش للبلاد المراد استعمارها بل الاعتماد على أستعمار العقل من خلال وسائل الإعلام المختلفة ، فعندما وصلنا إلى مرحلة  فهم الجمهور العربي للهجة المصرية , بدأنا تدريجياً في زيادة حجم الدراما والتقليل من الاعتماد على الأغاني والرقصات ، وأذكر أنني وكامل التلمساني وحلمي حليم وحسن عبد الوهاب حلمنا كثيراً بسينما خالية من الأغنيات والرقصات إلى أن وصلنا لوقت أحتججنا فيه ضد نوعية الأفلام التي تعتمد على الأغاني أو الإستعراضات .

        وعندها قررنا انتاج فيلم بعنوان (سجى الليل) وقامت مدام آسيا باتخاذ القرار نفسه في التوقيت نفسه بإنتاج فيلم بعنوان (العقاب) ، إلا أن فيلم سجى الليل فشل فشلاًجماهيرياً ذريعاً ، وأذكر أنني كنت شريكا في إنتاج الفيلم وكان يفترض أن أتقاضى نسبة من الأرباح بمقدار الثلث ، إلا أنني - ونتيجة لفشل الفيلم لم أتقاض مليماً واحداً .

د/ منى  الصبان:

        هذا ثمن الريادة ، وخوض التجارب الجديدة !!

أ/ هنري بركات:

        هذا حقيقي ، أما الفيلم الذي قامت بإنتاجه مدام آسيا بعنوان العقاب فقد نجح ولكن ليس النجاح المرجو فقد كانت مدام آسيا منتجة بكل ما تحمل الكلمة من معنى . وتستطيع تحقيق المعادلة الصعبة بين جراءة خوض تجربة جديدة كهذه وتحقيق الربح المادي في الوقت ذاته . وبعد هذا الفيلم ، قمنا بإنتاج فيلم (الواجب) دون أن نضيف إليه أية أغاني .

د/ منى الصبان:

        على الرغم من الخسارة التي منيتم بها في فيلم سجى الليل ؟؟

أ/ هنري بركات:

        نعم ، فإن صاحب التجارب الجديدة في السينما ، إن لم يجد المنتج المتحمس ، فسيضطر إلى تنفيذها بنفسه . وفيلم الواجب ، برغم أنه تضمن شيئاً من الإستعراض إلا أنه لم ينجح هو الآخر كما كنا نأمل ، ثم قمت بإخراج فيلم (معلهش يا زهر) وغنى فيه الفنان كارم محمود .

شادية وكارم محمود فى فيلم معلهش يا زهر عام 1950

ما أريد أن أقوله أنه مرت فترة طويلة من محاولتنا لتقليل الإعتماد على الأغاني والرقصات في الأفلام ، إلى أن أصبح للدراما وضعها في السينما المصرية .

طالب  :

        أخرجت للسينما أكثر من مائة فيلم ، في حين أخرجت للتليفزيون مسلسلاً واحداً ...

أ/ هنري بركات     :

        لا ، أخرجت مسلسلاً آخر للتليفزيون في لبنان ، لكن تم تصويره بكاميرا 16 مللي .

طالب  :

        نعم ، أنا أقصد مسلسلا واحداً أخرجته بتقنية الفيديو أي بكاميرتين . ونريد أن نعرف الفروق التي أكتشفتها بين تقنية الإخراج في السينما وفي التليفزيون , وبين المونتاج السينمائي ومونتاج الفيديو .

أ/ هنري بركات     :

        بالتأكيد توجد أوجه أختلاف كما توجد أيضاً أوجه تشابه بينهما , فكلاهما يعتمد على رؤية المخرج, و قد يكون التصوير بكاميرا واحدة مريحاً أكثر للمخرج , حيث لا يتقيد كثيراً بالمجال الذي تتحرك فيه الكاميرتان , ففي السينما يشعر المخرج أنه يمتلك عناصر المكان و الديكور بالكامل , أيضاً هناك خلاف هام , يتعلق بالحوار , فالفرق في عنصر الزمن بين الفيلم السينمائي الذي لا يتعدى الساعتين وبين المسلسل التليفزيوني الذي لا يقل عن عشرين حلقة مما يتيح غزارة في الحوار التليفزيوني , والذي يجعل بعض المخرجين ينزلقون الى التطويل فى الحوار, لزيادة عدد ساعات العرض , وبالتالي عدد حلقات المسلسل , وهو ما يؤثر على الناحية الاقتصادية وهذا عيب الاخراج التليفزيونى.

د/ منى الصبان:

        وكيف يتم تلافي هذا العيب من وجهة نظرك ؟؟

أ/ هنرى بركات:

     أن يتم التنفيذ كما فى المسلسلات الاجنبية الامريكية او الاوربية مثلا , حيث الاعتماد فى بعض الاحيان على التصوير الخارجى وعدم استخدام اللقطات العامة , لأن ذلك لايفيد في توصيل الأثر المطلوب إلى المشاهد  وبالنسبة للمونتاج التليفزيوني فهو أيسر كثيراً من المونتاج السينمائي ، لأن جزءاً كبيراً منه يتم أثناء التصوير ( المونتاج الألكتروني )، ويساعد على ذلك أيضاً وجود مونتير متمكن من أدواته كما حدث معي في التجربة التي خضتها في التليفزيون فقد كان المونتير ينفذ ما أريد بكل دقة ويقوم بعرضها على في الوقت نفسه من خلال تعامله مع مجموعة من الأزرار وهذا كل ما في الأمر ، فالتنفيذ الفورى عكس ما يحدث بالسينما ، فلا يتم تنفيذ المونتاج على المفيولا إلا بعد انتهاء التصوير .

طالب  :

        التغيير الذي طرأ على أفلامك الحديثة بالنسبة لأفلامك القديمة ، كان محل نقد فما السبب في ذلك ؟؟

أ/ هنري بركات:

        الأفلام القديمة كان أغلبها مبنياً على روايات أدبية لها قيمتها ، فروايات مثل "دعاء الكروان" أو "الحرام" لا تتكرر كثيراً ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى كان المناخ العام قديماً يشجع الفنانين على الحماس للأعمال التي يقدمونها ، والحماس أحد أهم عناصر الإجادة فإن لم يستطع المخرج أن يحب العمل ، سوف يكون تنفيذه بشكل ميكانيكي ، وأذكر أنه في أوقات مبكرة لعملي السينمائي ، كنت أتحمس لرواية ما لدرجة أنني أسعى إلى كاتبها لكي أطلبها منه ولو كنت أنوي إنتاجها كنت أشتريها بأي مبلغ يطلبه .

        أما الآن ، فالحماس غير موجود ، كما أن الروايات الجيدة غير متوفرة بالشكل الذي يتيح الإختيار من بينها ما يصلح لتحويله إلى سيناريو سينمائي .

د/ منى الصبان:

        ألا يوجد لديك مانع من خوض تجربة الإخراج التليفزيوني مرة أخرى ؟؟

أ/ هنري بركات:

        لا ، لا مانع لدي بالمرة بشرط أن أجد موضوعاً جيداً يثير حماسي ، كالرواية التي قمت بإخراجها في التجربة الأولى .

د/ منى الصبان:

        هل قمت بكتابة السيناريو لتجربتك الأولى في التليفزيون ؟؟

أ/ هنري بركات:

        لا ، كان أ/ عبد القادر نجيب هو كاتب السيناريو ، لكن قطعاً حدثت تعديلات في السيناريو نتيجة تدخلي كمخرج ، وهذا شيء طبيعي ، وقد يكون إحداث التعديل أثناء كتابة السيناريو أو أثناء تصوير العمل أو حتى بعد الإنتهاء من التصوير وأثناء تنفيذ المونتاج ، فإذا تصادف ظهور شخصية معينة في أحد المشاهد لم تكن قد أخذت كفايتها من التطور ، فلابد من تعديل السيناريو لكي تتطور الشخصية حتى تصل إلى هذا المشهد فلو عرض على رواية جيدة في التليفزيون ، فسوف أقوم بإخراجها بالتأكيد . ولو أن العمل بالتليفزيون ذو إيقاع متلاحق ، ويرتبط التصوير فيه بعدد ساعات محدودة .

د/ منى الصبان:

        وهل اضطرك الإيقاع المتلاحق هذا إلى التغاضي عن أخطاء معينة قد تحدث نتيجة السرعة أو غير ذلك ؟؟

أ/ هنري بركات:

        أكيد ، فهذا الإيقاع لا يعطي الفرصة للإعادة مثلاً فلا تتحقق الإجادة الكاملة في الأداء التمثيلي ولا في الأداء الإخراجي بصفة عامة .

د/ منى الصبان:

        هل تفضل تصوير العمل التليفزيوني بكاميرا واحدة أم بأكثر من كاميرا ؟؟

أ/ هنري بركات:

        يعتمد استخدام كاميرا واحدة أو أكثر من كاميرا على متطلبات المشهد ، فتصوير مشهد حواري لإثنين من الممثلين يجلسان إلى منضدة في كازينو مثلاً ، يتم تنفيذه بكاميرتين ، يتم وضع كل منهما في مواجهة أحدى الشخصيتين .

طالبة  :

        وهل يتم تنفيذ المشهد نفسه في السينما بالأسلوب نفسه ؟

أ/ هنري بركات:

        الفكرة واحدة ، لكن تكنيك السينما يتطلب أن يكون المشهد أكثر تركيزاً مما لو تم تنفيذه للتليفزيون ، وذلك مراعاة لعنصر الوقت ، واستخدام كاميرتين في السينما في تصوير بعض المشاهد يوفر الوقت والمجهود أثناء التصوير .

طالب  :

        بالنسبة لتصوير الأغاني ، هل كنت تقوم بتصويرها بأكثر من كاميرا ؟؟

أ/ هنري بركات:

        لا ، عادة ما يتم تصوير لقطات الأغنية بكاميرا واحدة ، إلا في المشاهد التي يمتزج فيها الغناء بالإستعراض مثلاً ، فيمكن الإستعانة بعدد من الكاميرات قد يصل إلى ثلاث كاميرات ، يتم توزيعهم كالآتي : الكاميرا الأولى تقوم بتصوير المجموعة الإستعراضية كلها في لقطة عامة جدا ، والكاميرا الثانية تقوم بتصوير المطرب والراقصة الأولى في لقطة قريبة متوسطة Medium close ، في حين تقوم الكاميرا الثالثة بتصوير الراقصة الأولى في لقطة قريبة جدا ً Extreme close، وهذا التوزيع يضمن راكور المشهد بشكل أساسي بالإضافة إلى توفير الوقت والجهد الذي يبذله العاملون في الفيلم من فنانين وفنيين .

د/ منى الصبان:

        أعتقد أن هذا الأسلوب ييسر عمل المونتير بشكل كبير !!

أ/ هنري بركات:

        نعم ، سوف يقوم بتركيب لقطات الفيلم بشكل أفضل بحيث يحقق التوازن والإيقاع السليم للقطات المشهد .

د/ منى الصبان:     

        أعتقد أننا وصلنا إلى نتيجة هامة وهي أن المخرج الملم بتقنيات المونتاج يتميز عن غيره ممن لا يمتلك هذه المعرفة .

أ/ هنري بركات:

        من دون شك ، والأمر الآن أيسر كثيراً نظراً لتوافر المعاهد الأكاديمية التي تتيح هذه المعرفة بشقيها النظري والعملي ، بحيث يتخرج الطالب وهو معد الإعداد الكافي لممارسة المهنة ، على عكس ما كان يحدث قديماً حيث لا توجد مثل هذه الصروح الأكاديمية ، فقد اعتدنا أن نعلم أنفسنا من خلال التجارب يدفعنا حبنا للمهنة التي ننتمي إليها فسواء تلقى المخرج تدريبه في معهد أو اكتسب خبرته من الممارسة ، يميزه ذلك عن غيره ، والأمثلة كثيره على مخرجين بدؤوا حياتهم المهنية بممارسة فن المونتاج مثل أ/ صلاح أبو سيف وأ/ كمال الشيخ .

د/ منى الصبان:

        بمناسبة الحديث عن أ/ كمال الشيخ ، وقد كان لي تجربة العمل معه كمساعدة للمونتير مع المونتيرأ/ سعيد الشيخ ، لاحظت أن أ/ كمال الشيخ يقوم أحيانا بتصوير اللقطات من أكثر من زاوية وبأحجام مختلفة ، وكان يترك حرية التصرف للأستاذ/ سعيد الشيخ لإختيار أفضل هذه الزوايا واستخدامها في الفيلم .

أ/ هنري بركات:

        وأكيد كان يسبب الحيرة للمونتير !!

د/ منى  الصبان:

        أبداً ، فقد كان يتيح له مجالاً أكبر للتصرف أثناء المونتاج ، فهل هذا يعتبر عيباً في الإخراج ؟؟

أ/ هنري بركات:

        لا ، لا نستطيع أن نطلق عليه عيباً ، فمثلاً ، المخرجون الأمريكان يتبعون هذا الأسلوب في العمل ، لكن يجب أن نعلم أنهم لا يقيمون وزناً كبيراً لتكاليف تنفيذ الفيلم فيتم وضع ميزانيات ضخمة جداً للأفلام ، وفي الوقت نفسه تكاليف الإنتاج قليلة نسبياً لأن الفيلم الخام لا يكلفهم الكثير ، أما هنا في ظل الميزانيات المتواضعة التي يتم رصدها لإنتاج الأفلام ، فيصعب انتهاج مثل هذا الأسلوب .

طالب  :

        وأين رؤية المخرج عندما يتبع هذا الأسلوب ؟؟ وأنا أذكر أن الأستاذ / صلاح أبو سيف أشار ذات مرة إلى أنه يمكن أن يتم تصوير المشهد من مائة زاوية لكن زاوية واحدة فقط هي التي تناسب الموقف .

د/ منى الصبان:

        تعقيبا على ما قلت أذكر أنه في فيلم الليلة الأخيرة وكان من بطولة الفنان محمود مرسي والفنانة فاتن حمامة ، تم تصوير مشهد خناقة تحدث بينهم حيث يدخل محمود مرسى إلى الغرفة تاركاً بابها مفتوحاً ويقوم بتوجيه الحديث الى فاتن حمامة وهى نائمة على السرير بنبرة صوت حادة ثم يتركها ويخرج ، هذا المشهد نفسه قام أ/ كمال الشيخ بتصويره مرة أخرى .

أ/ هنري بركات:

        هل قام بتصويره من زاوية أخرى !!

د/ منى الصبان:

        لا ، قام بتصويره كما هو لكن مع فارق واحد ، هو قيام الفنان محمود مرسي بغلق الباب وراءه بشدة بعد دخوله للغرفة .

أ/ هنري بركات:

        أنا لا أعلم بالطبع الأسباب الحقيقة التي دفعت أ/ كمال الشيخ إلى هذا التصرف إلا أن أصول الدراما تحتم التصوير بالشكل الثاني (غلق الباب) الذي يؤكد البعد النفسي والسلوكي للشخصية في هذا الموقف .

د/ منى الصبان:

        فعلاً ، وهذا الشكل هو ما قام بإختياره أ/ سعيد الشيخ في المونتاج .

أ/ هنري بركات:

        حسناً, فقد كان من الأولى أن يكتفي بتصويره بهذا الشكل .

طالب  :

        أستاذ هنرى كم كان عمرك عندما قمت بإخراج أول أفلامك ؟؟

أ/ هنري بركات:

        حوالي ستة وعشرين عاماً !!

طالب  :

        أذكر أن أ/ صلاح أبو سيف , قام بإخراج أول أعماله السينمائية, و كان أيضاً في الفترة العمرية نفسها , و قام بالعمل كمونتير و هو أصغر من ذلك بعدة أعوام , سؤالي يتعلق بتزايد السن الذي يقوم المخرج فيه بإخراج أول أفلامه هذه الأيام , عندما تتاح له الفرصة لذلك , فقد يصل إلى الأربعين , بعد أن يكون قد قضى زمناً طويلاً في العمل تحت التمرين كمساعد .

أ/ هنري بركات:

        أنا لا أعتبر أن ذلك شرط , فمثلاً كم سيكون عمرك عندما تتخرج من المعهد ؟؟

طالبة:

        واحد و عشرون عاماً .

أ/ هنري بركات:

        و بعد ذلك بأعوام ثلاثة أو أربعة , و تبعاً لنشاطك أو موهبتك قد تتاح لك الفرصة لأخراج أول أفلامك . و يجب أن تنتبه إلى نقطة هامه و هي وصولك إلى سن النضوج من خلال زيادة خبرتك الحياتية و الإنسانية .

طالب  :

        و معنى ذلك أن أنتظر فترة طويلة قبل أن تتاح لي فرصة الأخراج ؟؟

أ/ هنري بركات:

        ليس قبل أواخر العشرينات من العمر , و أنا أعرف مخرجين بدأوا حياتهم المهنية في سن الأربعين.

طالب  :

        وماذا عن قلة الفرص المتاحة الآن ؟

أ/ هنري بركات:

        يجوز أن الفرصة المتاحة الأن أمام جيلكم , أقل من الفرصة التي كانت متاحة أمامنا , و ذلك لعوامل كثيرة من أهمها دخولنا المجال السينمائي في مصر في بداياته , أعنى أنه يوجد من يعتبرنا رواداً لهذا المجال وكان عنصر الهواية أكبر كثيراً من عنصر الحرفة , وكنا نقوم بعملنا بدافع حبنا للمهنة , كما سبق وقلت , بغض النظر عن المكاسب المادية , بعكس ما يحدث الأن , فأذكر أنني تقاضيت مبلغ خمسة عشر جنيهاً أسبوعياً نظير عملي كمساعد مخرج , و كنت سعيداً بهذا المبلغ , أما الأن فلو أعطيت المساعد مبلغ مائتى جنيه في الأسبوع لن يكون راضياً .

د/ منى الصبان:

        فعلاً, فالظروف قد تغيرت كثيراً عن ذي قبل .

أ/ هنري بركات:

        ظروف المجتمع تغيرت , و حب العاملين للمهنة لم يعد بالقدر نفسه , فالخمسة عشر جنيهاً التي كنت أتقاضاها عن عملي كمساعد مخرج ، لم تكن تمنعني من أن أتطوع للعمل كمساعد مونتير وذلك لرغبتي الشديدة وتحمسي لتعلم أدق تفاصيل المهنة التي أحبها .

طالبة  :

        سمعت أن الأستاذ / خليل شوقي عمل بنفسه في معمل الصوت وأحياناً في نجارة الديكور ؟؟

أ/ هنري بركات:

        كلما عرف المخرج تفاصيل المهنة ، ولم يكتف بتقنيات تخصصه بل تعدى ذلك إلى كل التخصصات العاملة في المجال السينمائي ، كلما انعكس ذلك على آدائه المتخصص كمخرج ، اضافة إلى أن ذلك يساعده في توجيه الفنانين والفنيين الذين يعملون تحت قيادته لعلمهم بأنه مدرك لتفاصيل عملهم .

د/ منى الصبان:

        من المهم جداً أن يحب الإنسان عمله ، لكي يستطيع أن يؤدي ويصل إلى درجة إجادة هذا العمل ..

أ/ هنري بركات:

        فعلاً ، فعلى الرغم من أن أعداد الفنيين الذين كانوا يعملون في صناعة الأفلام قديماً كان أقل كثيراً من أعدادهم اليوم  ، إلا أن حبهم للعمل في هذا المجال كان يدفعهم للتعاون الشديد معا ، أذكر في أحد الأفلام كان هناك جزء من الديكور عبارة عن خيش مفروش بورق من نوع خاص ومدهون بالورنيش لكي يعطي الإيحاء بأن الأرضية تلمع ، فكنت أذهب وأنا مساعد للمخرج للبلاتوه قبل التصوير بساعة لكي أقوم بتلميع الأرضية ، ولو تصادف أن مساعد الصوت غير موجود كنت أقوم بإمساك ذراع الميكروفون الطويلة Giraffe    وأذكر أنني عملت في البداية كمساعد للمخرج / أحمد جلال ، فكنت مساعداً للمخرج وملاحظاً للسيناريو ، ومسئولاً عن الراكور والمعمل والإكسسوار .. ألخ ، وكنت أقوم بالتجول على محلات الموبيليا مع مدام آسيا لإختيار الموبيليا التي سيتم استخدامها في الأفلام . أما الآن فلم يعد هذا الاهتمام موجوداً على الرغم من تزايد أعداد العاملين بالأفلام .

د/ منى الصبان:

        فعلاً ، هذا الإحساس لم يعد موجوداً على جميع المستويات ، وتشعر بأن الفنانين والفنيين يذهبون إلى أعمالهم لمجرد أداء واجب ثقيل على نفوسهم !!

أ/ هنري بركات:

        ظروف الحياة كلها تغيرت ، وأنا أعتبر نفسي محظوظاً لأني عشت أغلب حياتي في ظل الظروف السابقة التي كانت أفضل بكل المقاييس .

طالب  :

        وحبك للمهنة انعكس على إختيارك لموضوعات أفلامك خاصة القديم منها فكانت النتيجة أعمالاً جيده لها قيمتها !!

أ/ هنري بركات:

        وإلى الآن ، لا أستطيع أن أقوم بإخراج موضوع ما ، إلا إذا كنت متحمساً لهذا الموضوع ، فأذكر أن أحد أصدقائي أشار على بقراءة رواية (الحرام)

فاتن حمامة فى فيلم الحرام عام 1965

فقرأتها في ليلة واحدة وأعجبت بها جداً ، فقمت بإرسالها إلى مدام فاتن حمامة في اليوم التالي ، فقرأتها وأتصلت بي في اليوم نفسه لتبلغني أعجابها الشديد بها , وتطلب مني شراء القصة وإعدادها كفيلم سينمائي ، هذا كله بعكس ما يحدث الآن عموماً فقد تنقضي أسابيع قبل التمكن من قراءة رواية ما ، وقد تجد الممثل منشغلاً بالعمل في أكثر من فيلم ومسلسل فتنقضي أسابيع أخرى قبل أن يرد بالموافقة ، وهكذا يذوب الحماس شيئاً فشيئاً .

طالب  :

        ما هي نوعية الموضوعات التي قد تثير حماسك لإخراجها الآن ؟؟ وهل يمكن أن تقوم بعمل جزء ثان لفيلم (في بيتنا رجل) ؟

أ/ هنري بركات:

        لا .. لا يمكن عمل جزء ثان من فيلم (في بيتنا رجل) في الوقت الحاضر .. وبالنسبة لي لابد وأن أجد السيناريو الجيد الذي أتحمس له لأقوم بإخراجه .. فإن وجدته .. فلم لا ؟

طالب  :

        وماذا عن الموضوعات التي تحب أن تقوم بإخراجها ؟؟

أ/ هنري بركات:

        الآن ؟؟

طالب  :

        نعم ، من مشاكل الحياة التي نعيشها

أ/ هنري بركات:

        لا يوجد موضوع بعينه ، فمثلاً عندما قرأت رواية (الحرام) ، لم تكن لدي أدنى فكرة عما يطلق عليه (التراحيل) ، إلا أن الموضوع مسني لدرجة أن دمعت عيناي بعد قراءته ، فقررت أن أقوم بإخراج عمل عنه، فأنا أعتبر نفسي أرضاً جاهزة للزراعة تنتظر أن تأتيها بذرة جيدة ، لتنبت وتصبح شجرة مثمرة ، فإن وجدت الرواية أو السيناريو الجيد ، فأقوم بإخراجه بعد أن يحدث التفاعل بيني وبين الموضوع الذي يثير حماسي للعمل ، فأنا منذ فترة طويلة أود أن أقوم بإخراج عمل يتحدث عن فلسطين مع مدام فاتن حمامة ، لكني أنتظر عملاً غير سياسي بل عملاً إنسانياً بالدرجة الأولى .

د/ منى الصبان:

        ولكنك لن تستطيع أن تغفل الجانب السياسي في القضية بأى حال من الأحوال ؟؟

أ/ هنري بركات:

        طبعاً ، لكن يمكن أن نستغل القضية الفلسطينية كخلفية تتحرك أمامها أحداث الفيلم التي تعتمد على موضوع إنساني في الأساس ، وذلك كما حدث في فيلم الحرام الذي تم إتخاذ موضوع التراحيل كخلفية لأحداثه .

د/ منى  الصبان:

        لكنها كانت خلفية قوية لدرجة أننا شعرنا أنها خط أساسي Foreground   !!

أ/ هنري بركات:

        وهذا ما أتحدث عنه ، فالخط الإنساني في الفيلم هو نتيجة لتفاعل المتفرج مع الخلفية ، يؤثر فيها ويتأثر بها .

طالب  :

        ألم يعرض عليك مثل هذا السيناريو ؟؟

أ/ هنري بركات:

        أذكر عندما كنت في أمريكا لإستلام جائزة ، قابلت إثنين من رجال الأعمال الفلسطينيين وطلبوا مني أن أقوم بإخراج عمل عن الإنتفاضة ورحبت بذلك ، وعرضوا على مدام فاتن حمامة أن تقوم بدور البطولة فرحبت بذلك أيضاً إلا أن المشروع لم يتم مع أن موضوع الإنتفاضة من أهم الأحداث التي مرت بفلسطين ، وأذكر أنني شاهدت فيلما وثائقيا رائعاً عن هذا الموضوع بعنوان (سنين الغضب) .

د/ منى الصبان:

        حبذا لو شاهدناه ، فسيكون إضافة لمعلوماتنا عن الإنتفاضة .

أ/ هنري بركات:

        هو فيلم جيد جداً ، أخرجه مخرج أمريكي وصور في شكل إستجواب للأسرائيليين واستجواب مقابل للعرب ، وعرض لمختلف وجهات النظر للعناصر المشتركة في المشكلة ، وأنا محتفظ بشريط الفيديو الخاص بالفيلم .

د/ منى       الصبان:

        ليتك تحضر لنا هذا الشريط ، هل هوNTSCأم PALأم SECAM؟؟

أ/ هنري بركات:

        كان على NTSC ثم تم نقله إلى SECAM .

د/ منى الصبان:

        بالنسبة للمسلسل الذي قمت بإخراجه للفيديو ، بأى نوع تم تصويره ؟؟

أ/ هنري بركات:

        كان على شرائط واحد بوصة  One Inch .

طالب  :

        ألم يعرض عليك إخراج فيلم عن حرب أكتوبر ؟؟

أ/ هنري بركات:

        لا ، ربما لأن أغلبهم يعتبروني مخرجاً عاطفياً .

د/ منى  الصبان:

        لكن ألا يسعى المخرج للبحث عن الموضوع إذا تفاعل مع حدث معين ؟؟

أ/ هنري بركات:

        الحقيقة لم أجد الموضوع المناسب ويؤكد كلامي عدم وجود أفلام تم تنفيذها تتناسب والحجم الحقيقي لحرب أكتوبر .

د/ منى الصبان:

        فعلاً ، هي أفلام عادية لا ترقى لمستوى الحدث ..

أ/ هنري بركات:

        لابد من توافر موضوع يتيح انتاج فيلم , كفيلم كل شيء هادي في الجانب الغربي All quite in the western front  ثم هناك مسألة الإمكانيات التي يجب توافرها لإنتاج مثل هذا الفيلم ، تماماً كما قام الأستاذ رمسيس نجيب بالإستعانة بإمكانيات القوات المسلحة لإنتاج أفلامه ولو أن الأمر بتسخير إمكانيات القوات المسلحة اقتصر على توفير الإمكانات المادية والبشرية فقط دون توافر عوامل الانضباط للجنود مثلاً ، مما زاد من صعوبة مهمة القائمين على التنفيذ .

طالب  :

        نعرف أنك حصلت على جائزة أمريكية ، نريد أن نتعرف على ظروف هذه الجائزة لأننا نعتبر ذلك تقديراً للفنان المصري في كل مكان في العالم ؟؟

أ/ هنري بركات:

        الجائزة قام بتقديمها التليفزيون العربي الأمريكي الموجود بالولايات المتحدة الأمريكية وكانت بعنوان إنجازات الحياة   Life Achievement وهى تقدير لمجمل الأعمال التي يقوم بها الفنان خلال حياته الفنية ، وقد حصلت عليها الفنانة فاتن حمامة في العام نفسه أيضاً وتم ذلك خلال احتفال كبير في مدينة لوس أنجلوس ، وقد قام عمدة المدينة بتسليمنا شهادات تقدير بالإضافة إلى كأس يعبر عن الجائزة المقدمة من هذا التليفزيون.



Copyright 2007 arabfilmtvschool.edu.eg,
All Rights Reserved
Dr. Mona El Sabban