حلقة بحث مع المخرج

محمـد خــان

أ/ محمد خـان      :

        اسمحوا لي أولاً أن أوضح لكم حجم المسؤولية التي أشعر بها ملقاة على عاتقي عند حديثي إلى طلبة مثلكم ، ففي أحد الأيام ، وفي هذه القاعة بالذات ، أصر أحد خريجي المعهد – وكان أحد أصدقائي – أن أقوم بإبداء رأيي في فيلم روائي قام بإخراجه وذلك أمام طلبة مثلكم ، وشعرت وقتها بحرج بالغ حيث أن الفيلم كان تافهاً جداً عكس ما كان يعتقد هو ، إلا أن الاحساس بالمسؤولية وقتها دفعني إلى أن أطلب من الطلبة الموجودين ألا يقوموا بعمل مشابه لهذا الفيلم في يوم من الأيام لأنه كان فعلاً لايوصف إلا بالتفاهة .

د/ منـى الصبان:

        على الرغم من أنه لايجوز تقديم شخصية تعلمون جميعاً قيمتها الفنية كالأستاذ المخرج / محمد خان ، لكني سوف أذكر لكم واقعة معرفتي شخصياً به .. فبسبب إقامتي في لبنان في الفترة من عام 1979 وحتى عام 1986 ، لم تكن الفرصة متاحة أمامي لكي أتعرف على المخرجين الجدد ، إلا أنني شاهدت فيلماً روائياً بعنوان (خرج ولم يعد) من خلال التليفزيون اللبنانى ، فشعرت بالقيمة الكبيرة للمخرج الذي صنع هذا الفيلم والذى لم أكن أعرفه ، رغم أنني عادة كنت أتعرف على الفنانين أولاً ثم أشاهد أعمالهم وتنال تقديري أو العكس . إلا أنني بعد مشاهدة فيلم (خرج ولم يعد) كنت متشوقة جداً لكي أتعرف على مخرجه ، وعند عودتى الى القاهرة قابلته مصادفة في إحدى الجلسات مع الأستاذ المونتير / عادل منير ، وبعد تعارفنا أخبرته بتقديري العميق لعمله وأذكر أنه قال أنه يعتبر هذا التقدير كجائزة الأوسكار .

أ/ عادل منير :

        أ/ محمد خان حالة مختلفة بالنسبة للسينما المصرية ، فعلى الرغم من أنه كان يحيا حياة مترفة في    لندن ...

أ/ محمد خـان      :

        لا .. هذا غير صحيح ، فأنا كنت أعمل هناك أحياناً في غسل الصحون وأحياناً أقود سيارة تاكسي.

أ/ عادل منير :

        لا ، أنا أقصد وقت أن عدت إلى مصر ، وأريد أن أوضح أن إيمان الفرد بهدف ما وثقته بإمكانياته لتحقيق هذا الهدف قد تدفعه إلى ترك حياة قد تكون مرفهة نسبياً إلى حياة أصعب ، فأنا أعلم أنه قام ببيع محل يمتلكه فى لندن بسبب حبه للسينما وعشقة لدراستها والعمل بها عكس ما يقوم به البعض ممن يتركون ما يمكن أن يحققوه هنا في مصر ويهاجرون إلى بلدان أخرى .

        فكون أ/ محمد خان يترك حياة مستقرة في مدينة كلندن ، ويبيع كل ما يملك لكي يحضر إلى مصر لكي يبدأ العمل بالمجال السينمائي ، وهو في سن ليست صغيرة ، ففي رأيي أن هذه إرادة ليست بسيطة ، وقرار ليس سهلاً ، وأنا أستأذنه في أن يسرد لنا هذه التجربة كدليل على أن إرادتنا الخاصة كمصريين بشكل عام أو كفنانين على وجه الخصوص تستطيع أن تحقق أهدافاً قد تبدو بعيدة المنال ، وأريد التأكيد مرة أخرى على إعجابي بهذه التجربة ، لأنه على الرغم من علمه بظروف مصر كبلد نام ، ترك حياته في بلد متقدم كإنجلترا بكل الإمكانيات المادية المتاحة به لكي يعمل في المجال السينمائي في بلده مصر .

أ/ محمد خـان      :

        أود أن أقول أولاً أن هناك العديد من العوامل التي صاحبت الشكل الرومانسي الذي تحدث عنه أ/عادل منير, ففي البداية سافرت إلى لندن لكي أدرس الهندسة ثم تعرفت على جار سيريلانكي كان يدرس السينما في مدرسة للسينما في لندن و لم يكن المعهد العالي للسينما في مصر قد تم إفتتاحه بعد , و قد أصابني ذلك بما يشبه الأنقلاب لأن السينما كانت تمثل لي منذ الصغر شيئاً في منتهى الخصوصية , وعلى الفور قمت بترك دراسة الهندسة وألتحقت بهذه المدرسة , حيث إننى كنت أعمل موظفاً صباحاً و كنت أذهب إلى مدرسة السينما مساءاً , و هذه المدرسة لاتزال موجودة إلى الأن و كان أسمها London film school technique   , والذي تحول فيما بعد إلى international London film school  , و لم يكن في لندن وقت أن التحقت بها غير هذه المدرسة و كانت عبارة عن دورين في مبنى داخل سوق للخضار .

د/ منـى الصبان:

        و في أي عام ألتحقت بها ؟؟

أ/ محمد خـان      :

        فى العام الدراسي 1958/1959 , و على الرغم من أن الفائدة التي عادت علي من دراستي بهذه المدرسة أقتصرت على الأحتكاك بأدوات العمل السينمائى , إلا أن وجودي في هذه الفترة بالذات في أنجلترا أفادني بشكل عظيم من خلال مشاهدتي لأفلام من كل أنحاء العالم , فلندن في ذلك الوقت كانت أقوى كثيراً من باريس, وكانت تعرض أفلام الموجة الجديدة التي ظهرت في ذلك الوقت فى فرنسا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا , وأفلاماً أمريكية كان يقوم بإخراجها قادمون من التليفزيون أساساً , وأفلاماً من انجلترا نفسها , وكان تأثير ذلك قوي جداً علي شخصياً وخصوصاً المخرج / أنطونيوني فأذكر أنني بعد مشاهدتي لفيلمه المغامرة la Ventura   , خرجت مذهولاً , فالفيلم برغم أنه لا يحوي حدوتة بالتركيبة التقليدية ( بداية ووسط و نهاية ) إلا أنه كان عالماً شدني لكي أتوغل داخل شخصياته , و كان هذا الفيلم بداية إحساسي بأنني لابد أن أصبح مخرجاً سينمائياً , ففي بداية معرفتي بالسينما , كان يقتصر معناها لدي على التمثيل , وبالتالي أن أصبح ممثلاً سينمائياً , ولم يكن لدي فكرة عن ماهية الأخراج إلى آخره من مختلف فروع المجال السينمائي . ولكن بعد مشاهدتي للأفلام التي تحدثت عنها , وبعد دراستي للسينما , وبعد أتساع مفهومي للسينما , شعرت أنه لابد أن أصبح مخرجاً سينمائياً , ولذلك و بعد أن أنهيت دراستي بمدرسة السينما , أذكر أن أ/ سعيد الشيمي , و الذي كان أحد أصدقائي من الطفولة , أرسل لي إعلاناً كان منشوراً في أحدى الجرائد تطلب فيه الشركة العامة للانتاج السينمائى ( فيلمنتاج) مواهب جديدة فى فروع العمل بالمجال السينمائى . فقمت بإرسال خطاب الى الاستاذ المخرج / صلاح ابو سيف الذي كان يرأس مجلس ادارة الشركة فيه نبذة عن دراستى , وعن رغبتى فى العمل فى مصر على الرغم من ان الكثيرين من زملائى المخرجين حصلوا على كارنية النقابة السينمائية الأنجليزية فى خلال ثلاثة شهور من تخرجهم واصبحوا يعملون فى السينما الانجليزية بالفعل , الا ان إحساسى بضرورة عملى فى محيط استطيع أن أعبر من خلاله عن بيئتى وطفولتى وحياتى جعلنى اتمنى ان اعمل فى مصر وذلك لاحساسى بالغربة فى انجلترا فرد علىّ أ/صلاح ابو سيف فى خطاب يرحب بى كأحد روافد الدم الجديد للعمل السينمائى , وبرغم انه لم يعدنى بأي شئ , الا أنى قررت المغامرة , وحضرت الى مصر فى عام 1963, و أقمت مع الاستاذ/ سعيد الشيمى وقتها حيث لم اكن قد وجدت مكاناً للاقامة بعد , وذهبت لمقابلة أ/ صلاح ابو سيف , وكان أول سؤال وجهه الى : ماذا تحب أن تعمل ؟ فشعرت بحرج بالغ أن أرد عليه بأننى أريد ان اقوم بالأخراج وذلك من فرط احترامى وإجلالى للأستاذ صلاح ابوسيف كمخرج سينمائى, فأخبرته بأننى اريد ان اكتب سيناريو, فطلب منى ضرورة تقديم سيناريو او أكثر , فعدت الى البيت وقمت بالإنتهاء من كتابة سيناريوهين احدهما روائى والاخر تسجيلى , وكانت المجموعة التى شكلت لجنة القراءة هى من الأساتذة / رأفت الميهى, مصطفى محرم, أحمد راشد, أحمد عبد الوهاب, هاشم النحاس .....وغيرهم , قد قدموا تقارير تؤكد جودة السيناريوهين واذكر ان أ/خليل شوقى تحمس للسيناريو الروائى, وقد قامت الشركة بشرائه بالفعل , فى حين تحمس أ/ سعد نديم للسيناريو التسجيلى وقد اراد ان يستقطبنى للعمل فى قسم الافلام التسجيلية , الا إنى وجدت نفسى فى خلال عام قد تحولت الى موظف فى الشركة , فقدمت استقالتى , وعدت الى لندن حيث قضيت بها فترة ثم سافرت الى لبنان فى مغامرة فى اواخر عام1964 , حيث عملت كمساعد ثان فى ثلاثة أفلام ومساعد أول فى فيلم واحد , وعملت مع أ/ يوسف معلوف ، وفاروق عجرمة , وجمال فارس , الا أننى بعد هذه المغامرة وقد كانت فعلآ حيث كنت اشارك وقتها أحد زملائى فى شقة سكنية , شعرت بعد مرور الوقت بأن هذه ليست نوعية السينما التي أود أن أشارك في صنعها ، ففي أحد الأيام ، كنت أتحدث إلى هذا الزميل عن ضيقي فأشار على بالسفر إلى لندن ، وفعلاً عدت إليها عام 1966 وذلك بعد قرار حاسم بعدم العودة إلى تلك النوعية من السينما ولكن من دون خطة واضحة للعمل ، وبعدها بعام قامت حرب 1967 . ولمدة ستة أعوام تلتها ، بدأت أبعد عن السينما فيما عدا مغامرة سينمائية واحدة أقدمت عليها عام 1972 حيث قمت بإخراج فيلم 35 مللي كانت مدته عشر دقائق وكان بعنوان (البطيخ) وقمت بإنتاجه أيضاً بالمشاركة مع أحد الزملاء ، وكانت تكلفته في هذا الوقت ثلاثمائة جنيه أسترليني .

وبرغم أني أعتبر هذه الفترة فترة ضائعة من حياتي ، إلا أنني كنت في قرارة نفسي متأكداً أنني لابد وسأصبح مخرجاً في النهاية ، لأن ذلك كان هدفي من البداية ، وقد أخذ مني هذا المشوار خمسة عشر عاماً حتى قمت بإخراج أول أفلامي الروائية الطويلة   وفي أحد الأيام عرفني الزميل المونتير أحمد متولي بالمونتيرة نادية شكري في أحدى رحلاتها للندن ، فقمت بدعوتها إلى منزلي وكنت قد تزوجت ورزقت بطفل عمره عدة أشهر ، وتحدثنا طويلاً ، ورأت كم أنا مغرم بالسينما ، وما إن أخبرتني أنني أستطيع أن أقوم بالإنتاج في مصر حتى شعرت بأن هذه هي الدفعة التي كنت أحتاجها لكي أعود إلى مصر ، ففي خلال ثلاثة شهور كنت قد قمت ببيع المحل الذي أمتلكه فى لندن وتركت زوجتي وأبني على أن يقوما باللحاق بي فيما بعد .. وعدت إلى مصر لكي أواجه المغامرة كاملة والتي نتج عنها فيلم (ضربة شمس) ومنذ ذلك الحين لم أتوقف عن العمل والحمد لله .

طالبة  :

        في أي عام عدت إلى مصر هذه المرة ؟؟

أ/ محمد خـان:

        عام 1977 . وأريد التأكيد على أنه إذا اقتنع المرء بعمل ما وكان صادقاً مع نفسه بالقدر الكافي ، وتبلور هذا الصدق إلى إيمان حقيقي داخله فلابد وأن يحقق هدفه في نهاية الأمر ، فأنا مثلاً كنت أعلم أنني سوف أصبح مخرجاً جيداً فقد عملت جاهداً ولم أضيع أي فرصة لتحقيق هدفي هذا .

طالب  :

        ذكرت في حوارات صحفية علاقة العشق بينك وبين مدينة القاهرة وأن أبطالك أو العالم الذي تحاول التعبير عنه هو عالم هذه المدينة وقد قرأت بحثاً عما يسمى بعصابات المدينة ، وقد تناول الباحث أعمال ديستوفسكي التي تعرضت لهذا مثل قصة (الأبله) فأريد أن أسألك لماذا الإهتمام المكثف بمدينة القاهرة ؟؟

أ/ محمد خـان:

        للإجابة على هذا السؤال لابد أن تعلم أولاً أنني إبن هذه المدينة ، فأنا إبن وحيد لعائلة من الطبقة المتوسطة وترجع أصول والدي إلى باكستان ولكنه عاش في مصر طيلة ثلاثين عاماً وأمي من أصل إيطالي ، وهذا يعني مزيجاً غريباً ، و أنا من مواليد غمرة , و عشت في وسط البلد – في أرض شريف – بجوار العتبة , و كانت أرض شريف أصلاً عبارة عن جراجات لسيارات نقل الموبيليا و كان يوجد بها داران للعرض السينمائي ( كرنك ,وبارادي ) و كانتا من أحلى دور العرض السينمائي الصيفي الموجودة آنذاك , وكنت أسكن أمام أحدهما أما فيما يتعلق بعشقي لمدينة القاهرة فيرجع ذلك إلى أن حياتي كلها قضيتها في القاهرة , و لم يكن لدينا سيارة , فكنت أذهب إلى مدرستي في حدائق القبة بالأتوبيس , و كان أبي يأخذني كل يوم جمعة لحلاقة شعري ثم نذهب لمشاهدة فيلم في سينما مترو بالذات , و بعدها كان يأخذني لتناول الغذاء في أحد المحلات ثم نعبر الشارع لكي نشتري من محل الأمريكين قطعة من الكيك لكي نأخذها لأمي .. فكما ترون ، حياتي كلها بمدينة القاهرة .

وأذكر أنه أثناء تصوير أحد مشاهد فيلم (ضربة شمس) في أحد المحلات ،

نورا ونور الشريف فى فيلم ضربة شمس عام 1980

ونظراً لتغير المكان فقد اقترح الفنان / نور الشريف أن نقوم ببناء ديكور للشارع بالإستديو بشكل واجهة سينما ميامي ، ورفضت رفضاً باتاً ، لأني شعرت بضرورة التصوير بالمكان الحقيقي ، فالمكان يمثل الكثير من الذكريات بالنسبة لي كما سبق وأشرت ، وهذه المسألة تستهويني بشكل كبير حتى ولو كانت الرواية ليست لها علاقة بي كشخص ، فلابد أن يكون بيني وبين المكان علاقة خاصة وإن لم أظهرها في الفيلم بشكل مباشر ، وأود أن أقول أن تفاصيل خطة تصويري للمكان من خلال المشاهد عادة ما أقوم بوضعها بشكل تلقائي ، فأنا لا أفكر قبل تصوير المشهد في زوايا التصوير التي سأستخدمها لأبراز الإحساس الناشئ عن المكان ، وغالباً ما أكتشف ملامح هذا الإحساس بعد عرض الفيلم ، تماماً كما يكتشفها المتفرجون

وقبل أن نبدأ المناقشة أود أن أقول أننى ذاكرت طوال الليل لكي أجعل هذه المناقشة ممتعة بقدر ما أتمنى أن تكون مفيدة لكم , ولإيمانى بأن السينما أساساً صورة , فقد قمت بإحضار عدد من شرائط الفيديو لمجموعة من الأفلام التي أعتقد بأهميتها للموضوع الذي سنقوم اليوم بمناقشته.

        وأول مشهد سوف نقوم بمشاهدته من فيلم psycho للمخرج ألفريد هيتشكوك , مدة المشهد حوالي 45 ثانية , و يتضمن 70 لقطة , و تم تصويره خلال سبعة أيام .

د/ منـى الصبان:

        أحب أن أوضح أنه المشهد الذى يقوم فيه البطل بقتل البطلة في البانيو .

أ/ محمد خـان:

        قصدت من عرض هذا المشهد توضيح أن المخرج الجيد يقوم بتصوير مشاهد أفلامه واضعاً المونتاج نصب عينيه كمرحلة أولى تسبق مرحلة المونتاج والتي يمكن أن يقوم أثناءها بالتعديل أو التغيير , والدليل على ذلك قضاء المخرج هيتشكوك سبعة أيام في تصوير هذا المشهد , فالفكرة كانت مختمرة في ذهنه, ولاحظنا أن السكين الذي أستخدمه البطل لم يلامس جسد البطلة – والتي لعبت دورها الممثلة جانيت لي - والتى لم يظهر منها سوى وجهها وكتفها ويديها , وأستغل المخرج المونتاج لكي يوحي للمتفرج بأن السكين يخترق جسد البطلة وساقيها ، واستعان أيضاً بممثلة أخرى كبديلة للبطل والذي لعب دوره الممثل / أنتوني بيركنز ، والذي تقمص شخصية أم في هذا المشهد ، ولكي يبرز انسيابية حركة جسد المرأة أستعمل هنا السرعة البطيئة في تصوير اللقطات والتي تبدو بسرعتها الطبيعية بعد المونتاج لكي يتمكن من إخفاء ملامح الجسد الأنثوي للممثلة البديلة .

وبالنسبة لنا كفنانين مصريين ، أود أن أوجه النظر إلى أننا نعمل بهذا الأسلوب لا لأسباب فنية فقط بل لأسباب إقتصادية أيضاً . عكس أسلوب العمل الهوليودي الذي يتيح للمخرج تصوير المشهد من زوايا مختلفة وبأحجام مختلفة وذلك لكي يتيح حرية أكبر للمونتير في الاختيار بين أفضل الزوايا وأنسب الأحجام  والتي تحقق إيقاعاً أفضل للمونتاج . إلا أن معظمنا كمخرجين مصريين - ويشبهنا في ذلك المخرجون الأوربيون بشكل عام – يفضل أسلوبنا في العمل عن الأسلوب الهوليودي الذى يتيح للمخرج أن يتحكم بشكل أكبر في رؤيته الإخراجية ، ولذلك يجب أن يكون المخرج الذي يعمل بهذا الأسلوب متمكناً من أدواته وأن يكون ملماً بدقائق فن المونتاج  . فإن لم يكن كذلك فقد يتعرض لمشكلة عدم وجود لقطة معينة يحتاج إليها المشهد فعلاً , ويطالب بها المونتير ولا يستطيع المخرج حينها أن يوفرها عكس ما يتطلبه الأسلوب الهوليودي ، فالمونتير يجد أمامه عدداً من اللقطات يختار أفضلها , ولو توفر عندنا إمكانية تنفيذ مونتاج أولى للفيلم أثناء التصوير ، أعتقد أنه يمكن تلافي مثل هذا العيب ، فإذا احتاج المونتير إلى لقطة ما يستطيع المخرج تنفيذها في الموقع .

ثاني مشهد سنقوم بمشاهدته من فيلم (موعد على العشاء) من إخراجي .

حسين فهمى وسعاد حسنى فى فيلم موعد على العشاء عام 1981

هذا المشهد يوضح أن المكان قد يوحي للمخرج – الذي يضع المونتاج في اعتباره - بتغيير مشهد معد مسبقاً بالكامل ، فالمشهد كان معداً بمصاحبة ثلاث صفحات من الحوار بين الزوج الذي يلعب دوره الفنان / حسين فهمي والزوجة التي تلعب دورها الفنانة / سعاد حسني ويجلسان إلى طاولة في مطعم فاخر جداً وإلى جوارهما أحد عملاء الزوج وزوجته الأجنبية وبعض أصدقاء الزوجين ,  ويصف المشهد التباعد الذي نشأ بين الزوجين فالزوج زير نساء ويظهر ذلك في المشهد من خلال تحرشه بزوجة العميل ، وتشعر الزوجة بدوار من جراء نظرات الأصدقاء الموحية وتعليقاتهم الخفية فيتعاظم شعورها بالضيق وتترك المكان وقد تم إختيار مطعم أسباني لتصوير هذا المشهد ، فعندما ذهبت لمعاينة المكان وجدت لاعب جيتار يعزف موسيقى أسبانية ، فشعرت لحظتها أن كل صفحات الحوار لاداعي لها فقمت بتغيير المشهد بالكامل لأني أستطعت توصيل نفس الإحساس ونفس المضمون من خلال المونتاج ، ويتم بناء المشاهد التالية لذلك المشهد ، كمشهد عودة الزوج إلى البيت ومشاجرته مع الزوجة وضربه لها ، ثم مشهد مقابلتها للشاب الذي قد تقع الزوجة في حبه ، كل هذه المشاهد تمهد للفكرة الأساسية للفيلم .

أما المشهد الثالث الذي أود عرضه من فيلم (طائر على الطريق) من إخراجي أيضاً فقد استغرق تنفيذه حوالي 20 دقيقة قبل غروب الشمس .

آثار الحكيم وأحمد زكى فى فيلم طائر على الطريق عام 1981

        وأود أن أوضح من خلال هذا المشهد أنه أحيانا ما يقوم المخرج بتنفيذ  مجموعة من اللقطات من وحي اللحظة من دون ديكوباج مسبق أو من دون أن تكون مدبرة داخل ذهنه بل أنه يأخذ منها بقدر ما يستطيع ثم يقوم بتركيبها بعد ذلك على طاولة المونتاج ، ففى هذا المشهد خطرت لي فكرة قبل تصوير المشهد بساعة تقريباً والذي فيه يرى البطل –الذي لعب دوره الفنان / أحمد زكي – طائرة ورقية ويجري وراءها محاولاً الإمساك بها ،وأود هنا أن أحيي مدير التصوير أ/ سعيد شيمي على موهبته بالتصوير بالكاميرا وهو يحملها على كتفه Hand held فبعد أن قمنا بترك الطائرة تطير ، قام أ/ سعيد شيمي بمتابعة الفنان / أحمد زكي من خلال الكاميرا وفي الوقت نفسه تتابع عينه الأخرى الطائرة تمهيداً لكي يقوم بمتابعتها من خلال الكاميرا ، فلا يوجد الكثيرون ممن يستطيعون تنفيذ تلك التقنية .

د/ منـى الصبان:

        هل كان الفنان / أحمد زكي ممسكاً بالطائرة الورقية ؟؟

أ/ محمد خـان:

        بل كان يجري وراءها محاولاً الإمساك بها وكنا نجري معه لملاحقته من خلال الكاميرا ، فقد تركنا الطائرة تطير مرة واحدة ، وقمنا بتصوير المشهد من أول مرة .

 

        أماالمشهد الرابع فهو من فيلم (الرغبة) من إخراجي , وهو المشهد الذى يذهب فيه نور الشريف الى الشاطئ وعندها تتداعى عنده ذكريات وجوده فى الحرب وإصابته برصاصة فى ظهره

مديحة كامل ونور الشريف وحسين الشربينى فى فيلم الرغبة عام 1980

        ومن خلال هذا المشهد أريد أن أوضح كيفية إستعمال تقنيات المونتاج في إبراز فكرة تداعي الذكريات .. ويراعى هنا الحرص الشديد على إختيار أحجام اللقطات , وحركة الكاميرا , وإيقاع الحركات البانورامية Pans المستخدمة  في المشهد الذي تم تصويره للبطل وهو يتذكر المشاهد التي تصور ما في ذهنه في تلك اللحظة ، بحيث أنه عند إحداث القطع يتم المحافظة على نوع من الانسيابية في الإيقاع حتى لا يحدث صدمة لعين المتفرج .

والمشهد الخامس من فيلم (الحريف) من إخراجي أيضاً , وهو المشهد الذى يقوم فيه عادل إمام بصفع فردوس عبد الحميد بشكل مباغت

عادل امام فى فيلم الحريف عام 1984

 

        وهو يوضح أنه أحياناً إلى جانب الحفاظ على إيقاع المشهد ، يلجأ المخرج إلى ما يسمى بالتمهيد المدبر للمونتاج . فلكي أتمكن من تنفيذ هذا المشهد ، والوصول إلى لحظة المفاجأة التي حققها المونتاج بعد ذلك ، كان لابد من التفاهم المسبق مع الفنان / عادل إمام على الفعل Action  . هذا الفعل الذي لم تكن تعلم به زميلته في الفيلم الفنانة / فردوس عبد الحميد ، والذي حقق لنا هذه المفاجأة .

هذا من جانب ، وعلى الجانب الآخر سبقت هذه المفاجأة عدة لقطات والتي أشرت إليه