المخرج الأستاذ/ صلاح أبو سيف

أ/عادل منير   :    

        يعتبر الأستاذ صلاح أبو سيف من جيل الرواد الذين أثروا الحياة السينمائية في مصر و العالم العربي ومن المخرجين الذين نتطلع اليهم كقدوة ونستطيع أن نتعلم الكثير من خطواته التي شكلت ولا تزال تشكل تجربة فنية في غاية الثراء . وفي تصوري تكمن اهمية هذه التجربة في إلالتزام الكامل الذي ابداه ولايزال يبديه الأستاذ صلاح أبو سيف تجاه عمله ، هذا إلالتزام الذي اتسم به معظم الفنانين من إلاجيال إلاولى التي عملت في المجال السينمائي و الذي أصبحنا نفتقده في إلاجيال الحالية ، فعلى حين كان الهدف إلاساسى للاجيال إلاولى ، هو خلق أعمال فنية جيدة لها قيمتها الفنية والإنسانية ، أصبح الهدف إلاساسي للكثيرين من العاملين بالمجال السينمائي الان مجرد جمع الأموال دون اعتبار للقيم الفنية أو أخلاقيات المهنة ،غير واضعين في اعتبارهم أن إلالتزام و مراعاة القيم الفنية لاعمالهم هي سبيلهم الوحيد لتحقيق أهدافهم المادية ،و لا يتأتى ذلك إلا باتخاذ القدوة كالأستاذ صلاح ابو سيف ، و مثله الكثيرون من إلاساتذه العظام الذين يشغلون مواقع الريادة في حياتنا الأدبية و الفنية ، و اعتقد أن هذا السبيل سوف يجعل إلاجيال الحالية تصل إلى اهدافها بشكل أفضل و أرقى .

أ/صلاح أبو سيف :

             أود أولأً أن أشكر الأستاذ عادل منير على المقدمة التي تفضل بالقائها ، وثانياً أود أن أبدا حديثي اليكم عن العلاقه بين الإخراج والمونتاج، بتعريف كلمة مونتاج ، فالكلمة من اصل فرنسي و تعني (تركيب) ،و يقودنا ذلك إلى أن نسأل أنفسنا هذا السؤال ... هل ممكن أن نخرج فيلماً دون اللجوء إلى المونتاج ، وللإجابة على هذا السؤال نعود إلى بدايات الفن السابع ايام السينما الصامتة ، حيث تشير الأبحاث الحديثه أن المونتاج لعب اهم ادواره في الأفلام الصامتة و تراجع دوره نسبيا بإكتشاف اساليب تسجيل الصوت و إضافته للصوره ، ويقال إن عدم وجود الصوت في الأفلام الصامتة أتاح كل الحرية للمونتير في تركيب الفيلم ،للدرجة التي اقتصر معها دور المخرج على تحضير المادة المصورة و تسليمها للمونتير الذي يتولى الجانب الإبداعي للوصول إلى الصورة النهائية للفيلم

وعلى الرغم من أن هذا الرأي يعتبر من قبيل المبالغة ،إلا أن الحقيقة أن اضافة الصوت إلى الصورة وضع الكثير من القيود التى لم يكن يعرفها العاملون في الأفلام الصامتة ، فعلى حين لا يستطيع المونتير إلا أن يقوم بالقطع اثناء احدى جمل الحوار ، نجد أنه أيام السينما الصامتة ، كان إذا حدث وأخطأ المخرج في توجيه الممثل إلى الجهة التي يجب أن يتجه اليها ، كان المونتير بكل بساطة يقوم بقلب الصورة و بالتالي تتغير الجهة الخطأ إلى الجهة التى تقابلها. اما الان فأنا اعتقد أن العمل الفني عمل مشترك بين أفراد عائلة واحدة من الفنانين والفنيين اجتمعوا ليتعاونوا و ليبذل كل منهم اقصى جهده لاخراج العمل الفنى إلى المشاهدين و برغم أن المخرج هو قائد مجموعة العمل  و هو صاحب الراي الاخير و الرؤية الفنية الشاملة ، إلا أن ذلك لا ينفي ضرورة التعاون القائم بين أفراد المجموعة ، فأنتم تعلمون أن المخرج يقوم بتوزيع نسخ السيناريو على مجموعة العاملين بالفيلم ، ومنهم المونتير ، ومدير التصوير ، ومهندس الصوت ومهندس الديكور والممثلين ..........الخ ، ثم يقوم بعقد مناقشات مطولة بينهم و يقوم كل منهم خلالها بعرض وجهة نظره وفقا للقواعد التى يحتمها تخصصه
وقد يتم إحداث تعديلات نسبيه في السيناريو قد تقل أو تزيد ، بناءا على إرادة الفنانين أو الفنيين في فيلم ما ، إذا اقتنع المخرج بوجهات نظرهم و كان تنفيذ هذه التعديلات ممكنا وفقا لمتطلبات إلانتاج . وتوجد حالات تعديل في سيناريوهات أفلام حدثت بناءا على وجهات نظر بعض الممثلين الجادين المشاركين في هذه الأفلام ، وشرط الجدية لابد وأن يتوفر هنا ، حيث إنه لايمكن الأخذ بوجهة نظر هذا النوع من الممثلين الذين لا يعنى احدهم إلا بحجم دوره بالنسبة إلى السيناريو والذي يصل به الامر إلى قياس جمل حواره بالنسبة لكل صفحة من صفحات السيناريو  وردود افعال باقي الشخصيات تجاهه متجاهلا السياق العام للسيناريو والبناء الدرامي للفيلم القائم على تفاعل شخصياته

و نعود مرة اخرى للسؤال الذي طرحناه في البداية ، هل يمكن الإستغاء عن المونتاج ؟

حدث فعلا أن قام المخرج (الفريد هيتشكوك) باخراج فيلم بعنوان (الحبل the rope) , وكان يهدف بهذه التجربة إلى أن يقوم بالاستغناء عن المونتاج ، إلا أنه واجهته بعض العقبات التقنيه فبوبينة الفيلم لا تزيد على عشر دقائق , لذلك لا يستطيع تنفيذ الفيلم الذي تتراوح مدته من ساعه ونصف إلى ساعتين دون أن يقوم بعمل عشرة أو اثني عشر قطعا بعدد البوبينات التى يتكون منها الفيلم  سواء أراد ام لم يرد ، فقام بتصوير مشاهد الفيلم بشكل مسرحي و ساعده في ذلك أن أحداث الفيلم تدور في مكان واحد فكان يقوم بعمل بروفات مطولة لمدة اسبوع أو اكثر ثم يقوم بتصوير بوبينة الفيلم مرة واحدة .

إلا أن هذه التجربة كانت تجربة وحيدة  ولم تستمر , ويتضح من ذلك مدى أهمية المونتاج بالنسبة للعمل السينمائى ويوضح لنا لماذا يتم المونتاج . لأن الفيلم لايتم تصويره بترتيب المشاهد نفسها الذي نشاهده في النهاية ،بل يتم تصوير اللقطات وفقا لمواقع التصوير المتاحة امام المخرج في وقت محدد , فقد يتم تصوير بعض المشاهد في القاهرة ثم يتم تصوير مشاهد اخرى في إلاسكندرية ثم مجموعة اخرى في احدى محافظات الصعيد ، بغض النظر عن الترتيب التصاعدي لهذه اللقطات أو قد يتم تصوير المشاهد وفقا لديكور معين تم بناؤه داخل بلاتوه تم ايجاره لفترة محددة خصيصا لهذا الغرض , ليس هذا فحسب بل إنه يتم تصوير بعض اللقطات التي تشترك في نفس زاوية التصوير وذلك يتطلب توفير نفس ظروف الإضاءة ونفس وضع الكاميرا .....الخ ، وكل ذلك كما سبق وأشرت بغض النظر عن الترتيب التصاعدي لمشاهد الفيلم . وأود أن اشير إلى أن بعض المخرجين يقوم بتصوير مشاهد أفلامه وفقا للترتيب التصاعدى للفيلم و قد يعتبر بعضهم ذلك نوعا من التمكن من ادوات العمل الآخراجي ، إلا أنه ليس من المعقول أن يقوم مدير التصوير بالإعداد لتصوير مشهد ما من ناحيه الإضاءة و زاوية الكاميرا ......الخ ،ثم يقوم المخرج بعدها بساعات أو بايام بطلب توفير نفس الظروف لتصوير مشهد اخر يتطلب نفس الظروف فكما اشرت من قبل , إن ذلك يعتبر اهداراً للوقت وللطاقات وللاموال من غير ضرورة لذلك .

وهناك ايضا أهمية اخرى للمونتاج تتضح من خلال تجربة مشهوره تم اجراؤها ايام السينما الصامتة حيث تم تصوير ثلاث لقطات قريبةClose up  اثنتين منهما لاحد الممثلين اللقطة الأولى كانت له وهو مبتسم والآخرى وهو حزين  ومكتئب , اما اللقطة الثالثة فكانت لمسدس و تم ترتيب اللقطات للممثل وهو حزين ثم لقطة المسدس ثم لقطة الممثل وهو مبتسم مما

أوحي بشجاعة الشخصية .اما التجربة الثانية فكان ترتيب اللقطات للممثل وهو مبتسم ثم لقطة المسدس ثم لقطة الممثل وهو مكتئب وحزين فأوحى الترتيب بجبن الشخصية  .

وهكذا ترون أن اعادة ترتيب اللقطات من خلال استخدام المونتاج يغير المعنى الذي نريد توصيله إلى المشاهد تماما ومن المنطلق نفسه حدث أنه كان يعرض احد أفلام ايزنشتين وكان بعنوان (المدرعة بتومكين) في السويد واصرت الشركة المنتجة على عدم حذف اي مشهد من مشاهد الفيلم ، والفيلم كما نعلم جميعا يبدأ بمعاملة سيئة للبحارة على المركب فيثور البحارة على اثرها ويقومون بتمرد , فما كان من القائم على العرض إلا أن قام بشىء من الذكاء بتعديل بوبينات الفيلم , فقام بعرض مشاهد التمرد ثم بعدها قام بعرض مشاهد سوء معاملة البحارة وهكذا تولد معنى جديد تماما يختلف عن المعنى الأصلي الذي اراده مخرج الفيلم .

وفيما يتعلق بعلاقة المخرج بالمونتاج فأنا اعتقد أن المخرج الذي لا يعلم تقنيات فن المونتاج تماما كالشخص الذي يتحدث اللغة العربية إلا أنه لا يعلم قواعد النحو والصرف. فالمونتاج اساس عمل المخرج وجزء كبير من ابداعه  يكمن في قدرته على تخيل الفيلم الذي سوف يقوم باخراجه لقطة لقطة shot by shot بنفس الترتيب الذي سيظهر به في النهاية وبكل ما يحويه من مواقع القطع بين اللقطات , وتقطيع جمل الحوار , والمواقع التي تستخدم فيها الموسيقى التصويرية والمؤثرات الصوتية , وذلك من أول لقطة تظهر فيها تترات العنوان واسماء العاملين بالفيلم إلى اللقطة التي تظهر فيها كلمة النهايه . تلك القدرة على التخيل تحتاج من المخرج إلى تدريب متواصل لكي ينميها كاحدى اهم ادواته , وإلمام المخرج بتقنيات فن المونتاج يتيح له امتلاك هذه القدرة وييسر عليه إلاستفادة منها في تحقيق رؤيته الأخراجية .

وأنا لا اتصور أن يقوم المخرج بالإعداد لتصوير لقطات أفلامه في موقع التصوير بل لابد وأن يسبق مرحلة التصوير مرحلة الإعداد التفصيلي لحركة الممثلين , للقطة , ولزاوية الكاميرا وأن يعلم تماما اين ومتى سوف يقوم المونتير بأحداث القطع .

و أود أن اذكر أن من المخرجين من لا يحسن اعداد اللقطة للمونتير وذلك في محاولة لتوفير الفيلم الخام فنراه يقوم بالقطع مباشرة دون مراعاة لضرورة المحافظة على الإيقاع الخاص باللقطة , الذي يجب أن يتوافق مع الإيقاع العام للمشهد والذي يجب أن يتناغم بدوره مع الإيقاع العام للفيلم ، فمثلا إذا كان لدينا لقطة قريبة لاحد الممثلين وهو يجلس على الكرسى ثم يقف فى لقطة متوسطة , فلابد من تكرار الحركة نفسها عند تصوير اللقطتين ،وذلك لاتاحة الحريه للمونتير لتحديد أنسب المواقع لعمل القطع في أول الحركة ,أو في وسطها ,أوفي نهايتها وذلك لأن هناك عوامل كثيره تتدخل في تحديد موقع القطع مع المحافظة على ايقاع المشهد أو ابراز معنى ما أو التركيز على احد عناصر الصورة الذي قد يلعب دورا هاما على الحدث الذي يتضمن المشهد

د / منى الصبان: 

             اي أنه فى رأيك  يجب أن يتم عمل تكرار للحركه overlapping عند تصوير لقطتين متتاليتين ؟

أ/صلاح أبو سيف :

        تماما ، وذلك لكي تظهر الحركة طبيعيه قدر إلامكان ، وإذا لجأ المخرج الي الأسلوب الآخر بهدف توفير الفيلم الخام ، فسوف تكون المحصلة النهائية صدمة بصرية للمشاهد نتيجة لفقدان المشهد للايقاع السلس المتناغم ، تماما كمن يتحدث و يتهته في اثناء الكلام فتخرج الجمل من فمه في غير انسياب ، ولنعلم حقيقه تتعلق بالقطع وهي أنه إذا احس المتفرج بالقطع الذي تم أحداثه فمعنى هذا أن القطع تم اجراؤه بشكل خطأ ، هذا الأمر نفسه ينطبق تماما على الموسيقى التصويرية فلو استحسن المتفرج الموسيقى التصويرية بشكل مبالغ فيه فلا يعني ذلك إلا أن المخرج أساء اختيار الموسيقى التصويرية , وذلك لأن الموسيقى تشكل احد العناصر التي تتضافر معا لتكون المشهد ، وايضا هناك عنصر اخر لا يجب أن يشعر به المتفرج على إلاطلاق وهو حركة الكاميرا ففي بعض الأحيان يصل المخرج بحركة الكاميرا إلى نوع من الانسايبة الرائعة الموظفه توظيفا جيدا تجعل المشاهد يتساءل عن سبب ثبات الكاميرا في حين أن الكاميرا تتحرك طوال الوقت ولكن حركة طبيعية تجعل المتفرج لا ينتبه اليها اثناء مشاهدة الفيلم
ويجب على المخرج أن يعي تماما حقيقة أن اي حركة للكاميرا لابد وأن يوجد لها دوافعها تماما كأي تصرف إنساني لابد وله دوافعه . وبشكل عام يساعد المخرج في الإعداد لحركة الكاميرا أن يتصور الحركة الطبيعية للحدث الذي يتضمنه المشهد ثم يبني عليه تصوره لحركة الكاميرا وليس العكس , وإلا انساق المخرج وراء خلق حركة كاميرا مبررة لمجرد رغبته في اضفاء نوع من الحركة على المشهد

ونعود مرة اخرى للحديث عن أهمية إلمام المخرج بتقنيات فن المونتاج  من خلال واقعة حدثت معي اثناء تصوير فيلم بعنوان (الوحش)  .

سامية جمال وأنور وجدى فى فيلم الوحش- عام 1954

وقد تمت كتابة سيناريو الفيلم بناءاً على حلقات البوليس الواقعية وكان الفيلم يتناول قصة مجرم خطير ظهر في الصعيد كان اسمه (الخط) وكانت تكمن خطورته في عدم استطاعة اهالي القريه التي ظهر فيها الإبلاغ عنه برغم معرفة الجميع بشخصيته , في نفس الوقت الذي كان البوليس لا يعلم عنه أي شىء بسبب عدم كفاية المعلومات وعدم توافر البيانات الشخصية أو الصور الفوتوغرافية في ذلك الوقت وقد سافرت مع المساعد الي مدينة ديروط وكانت اقرب المدن شبها بالمكان الذي وقعت فيه أحداث الرواية وقمت بدارسة وافية لموقع التصوير ، من خلال التقاط صور فوتوغرافية لكل زاوية بكل موقع .

وهذه الدراسة المبدائية تهدف إلى عدم اضاعة الوقت و الجهد والمال اثناء مرحلة التصوير ولذلك قمت بالإعداد لكل لقطة وقمت بتحديد الحركة لكل حدث وتحديد زوايا التصوير ، ثم عدنا إلى القاهرة ، على أن نعود لمواقع التصوير مرة أخرى مع بداية مرحلة التصوير بعد شهرين .

وفي الموعد المحدد للتصوير سافرنا مع مجموعة العمل بالفيلم ،بكل المعدات اللازمة للتصوير إلى مدينة ديروط ووصلت في المساء وبدأنا التحضير لأول ايام التصوير و بالفعل ذهبت و معي المساعد الى موقع التصوير الذي قمت بالإعداد له قبل شهرين و ذلك قبل وصول الممثلين وبدأت في البحث عن المواقع التي قمت بالتقاط الصور الفوتوغرافية لها والتي درست كل زواياها ، إلا أنني وجدت نفسي أمام مفاجأة لم اكن أتوقعها حيث اكتشفت اختفاء جميع مواقع التصوير نتيجة حدوث فيضان أدى الى تغيير ملامح المكان ليصبح مكانا جديدا تماما ولم يكن امامي عندها سوى أحد حلين ، أولهما أن اقوم بتأجيل التصوير عدة ايام حتى أعيد التحضير مرة اخرى بما يتوافق مع الظروف الجديدة التي طرأت على المكان أو أن اتعامل مع هذه الظروف في وقتها ، ونظرا لاهمية عامل الوقت اخترت الحل الثاني ولم يساعدني على التصرف السريع لمواجهة هذا الموقف إلا الخبرة التي اكتسبتها من خلال عملي بالمونتاج لمدة عشر سنوات وفعلا بدأت التصوير دون أن يشعر احد من العاملين بالفيلم بما حدث .

وهكذا نرى أن دراية المخرج بتقنيات المونتاج تمنحه القدرة على مواجهة المشكلات التي قد تنشأ نتيجة لأية ظروف وحتى الأخطاء التي قد تحدث من بعض الممثلين اثناء التصوير يستطيع المخرج أن يتغاضى عن بعضها لعلمه أنه سوف يتعامل معها اثناء المونتاج بالقطع الى موقع اخر وبذلك يختفي الخطأ بتغطيته بلقطة اخرى

وأنواع المونتاج كثيرة جدا ويمكنكم أن تميزوا  من خلال أفلامى بين نوعين من أهم هذه الانواع ، أولهما المونتاج المتوازي الذي يستعمل بهدف ابراز حدثين في الوقت نفسه واذكر مثالاً لذلك من فيلم (الفتوه).

فريد شوقي وزكي رستم فى فيلم الفتوة- عام 1957

وهوالمشهد الذي يحوي مقارنه بين عمل بطل الفيلم الفنان فريد شوقي في جر عربة الخضار ، وحمار يقوم بالعمل نفسه ونجد القطعات نفسها على لقطات متشابهة  لحركة رجلي بطل الفيلم وحركة أرجل الحمار والإجهاد البادي على كل منهما في ايحاء بأن بطل الفيلم يعمل كالحمار.

اما النوع الثاني فهو المونتاج الفكري ويستعمل للتعبير عن معان معينة قد يصعب التعبير عنها من خلال الحوار المباشر وذلك مراعاة للقيم الخلقية والتقاليد السائدة ونجد مشهداً من فيلم (الأسطى حسن) .

هدى سلطان وماري منيب فى فيلم الأسطى حسن- عام 1952

بعد أن تتعرف الفنانة  زوزو ماضي وكانت تقوم بدور سيدة أرستقراطية وتعجب بالأسطى حسن (فريد شوقي) وتحاول اغراءه واستدراجه إلى غرفة نومها وطبعا لم يكن من الممكن ولا من المقبول أن اقوم بتصويرهما في مشاهد جنسية فاستعضت عن ذلك بتمثال في احد الأركان يصدر عنه صوت صفير فيسألها فريد شوقي عن هذا التمثال في لقطة سابقة فترد قائلة إن هذا التمثال يصدر عنه صوت الصفير في حالة أنبساطها فقمت بالقطع عليهما في لقطة وهما يهمان بالدخول إلى غرفة النوم ثم لقطة تالية للتمثال وهو يصدر صوت الصفير ثم لقطة للتمثال وهو يبدأ في اصدار صوت الصفير مره اخرى للايحاء غير المباشر عن انبساطها بسبب علاقتهما الجسدية

 ويوجد مثال مشابه لمشهد من فيلم (شباب امرأة).

تحية كاريوكا فى فيلم شباب امرأة - عام 1956

استخدمت المونتاج بالقطع على انطلاق مدفع في مولد للتعبير عن ممارسة العلاقه الجسدية بين البطل الفنان شكري سرحان ،والبطله الفنانة تحيه كاريوكا .

واذكر ايضا مشهدا من فيلم (ريا و سكينة ) .

نجمة ابراهيم وزوزو حمدى الحكيم فى فيلم ريا وسكينة- عام 1953

تم ابداعه من خلال المونتاج وقد اشاد به عدد كبير من النقاد الإنجليز و الألمان بعد عرض الفيلم في مهرجان برلين عام 1953 ، وذكروا أنه لا يقل جودة من ناحية مونتاجية عن مشهد (سلالم الأوديسا) في فيلم (المدرعة بتومكين) للمخرج ايزنشتين لأن المشهد فعلا مبني على المونتاج .
حيث قمت بإمداد المونتير بمجموعة كبيرة من اللقطات كمادة مصورة استفاد منها لخلق المشهد الذي تصاحب فيه ريا وسكينة احدى الضحايا لقتلها , واستفدت أنا من العناصر الموجودة داخل البيت لخلق كريشيندو يخلق التصاعد الدرامي الي أن تقتل الضحية وكان من ضمن هذه العناصر لقطة لابريق الشاي أثناء غليانه ولقطة للفقاعات الهوائية الناتجة عن تدخين النارجيلة والدخان المتصاعد عن البخور الذي كانوا يقومون باشعاله بشكل مستمر لاخفاء الرائحة الناتجة عن جثث الضحايا التي تم دفنها تحت أرضية البيت , وبالإضافة إلى ذلك كانت هناك أصوات موسيقى الزار الصاخبة التي كانوا يستخدمونها للحيلولة دون أنبعاث اصوات صراخ الضحايا . وهكذا مزجت بين الصوت و الصورة لخلق الحدث وقمت بتعزيز البناء الدرامي من خلال استخدام منفاخ التنفس اثناء تصوير العمليات الجراحية لخلق الإحساس بالتوتر الناشىء عن ترقب مصير المريض إلى أن نكتشف في النهاية نجاته بنجاح العملية الجراحية أو موته بفشلها و استفدنا ايضا من عنصر الإضاءة لتعزيز هذا إلاحساس بالتوتر عندما تصطدم ريا بمصباح معلق يهتز محدثا اشارات ضوئية فكل هذه العناصر التي تحدثت عنها بالإضافة إلى كلمات الأغنية التي كتبها الفنان بيرم التونسي ، واللحن الذي صاغ هذه الكلمات كل ذلك تضافر في صعود درامي متتال للتعبير عما يحدث حتى تتم عملية قتل الضحية ثم اتى بعد ذلك القطع الذي نقلنا من مكان الجريمه إلى السلخانة حيث تواصل قوات البوليس التحقيق في جرائم القتل المستمرة حيث تم القطع على لقطة لاحد الجزارين يقوم بذبح نعجة في اشارة إلى أن الضحية تم ذبحها كما تذبح النعجه فتم استخدام القطع هنا لأحداث النقل المكاني في الوقت نفسه الذي استخدم فيه القطع للتعبير عن المعنى الذي ذكرته .
كما شاهدنا كيف استطعنا الاستفادة من عناصر المكان لخلق إلاحساس بالتوتر والترقب في تصاعد تدريجي حتى تنفيذ عملية القتل ثم القطع الذي احدث النقل المكاني الذي ذكرته . واذكر أن مدير التصوير الفنان وحيد فريد قام بوضع الكاميرا داخل (قصعة مونة ) تم تعليقها و جعلها تهتز مما نتج عنه انسيابية شديدة اظهرت حركة الكاميرا طبيعية إلى ابعد الحدود.

طالبة :

وهل كانت تلك التقنية افضل ما استطعتم التوصل اليه ؟

ا / صلاح ابو سيف :

هذا الفيلم تم انتاجه عام 1952 أي منذ ما يقرب من  الأربعين عاما ويجب أن تعلمي أن اسلوب تفكير الفنان خلال مسيرته الفنية يتعرض للتطور باستمرار فالتقنيات التي قد تعتبر بدائية نسبيا اليوم كانت تعتبر متطورة وقت اكتشافها . و أود هنا أن اشير إلى أن الفنان يجب أن يساهم في أحداث هذا التطور عن طريق التعلم وإلاستفادة من الأخطاء التي تحدث حتى و لو لم يستطع معالجة تلك الأخطاء وقت حدوثها , فبعض الأخطاء التي قد تحدث في المعمل مثلا قد تفسد ساعات من العمل في مواقع التصوير وقد لا يتمكن المخرج من اعادة تصوير المادة الفيلمية فيضطر عندها للاستفادة من المتاح قدر إلامكان و كأنها مكتوبة في السيناريو من البداية ,ولذلك اقوم بتسجيل تفاصيل اللقطات أولا بأول في سجل خصصته لذلك أضمنه ادق التفاصيل من وضع الكاميرا , وحركة الكاميرا , والعدسات التي استخدمت ، والحوار الذي القاه الممثلون , وحركة الممثلين .............الخ .

د / منى الصبان :

هل تقوم بهذا التسجيل قبل التصوير ام بعده ؟

ا / صلاح ابو سيف :

اثناء تصوير اللقطات ، أعني تسجيل السيناريو الفعلي الذي قد يتعرض للتعديل بالحذف أو الإضافة اثناء تصوير المشاهد . وهذا التسجيل يتيح للفنان أن يقوم بمراجعة ما تم تنفيذه واكتشاف الأخطاء و ذلك للاستفادة منها والحيلولة دون وقوعها مستقبلا , ولو لم يفعل الفنان ذلك سوف يظل في المكان نفسه ولن يتقدم خطوة إلى إلامام .

ا / عادل منير :

أود أن اشير إلى أن الأستاذ صلاح ابو سيف كان من أوائل المخرجين الذين قاموا بتنفيذ اللقطة المركبه التي تكاد يتكون منها مشهد كامل لا يلجأ خلاله إلا لاقل حد من القطع , وقد واكب ذلك قيام المخرج أورسون ويلز بتنفيذ اللقطة المركبه نفسها وذلك عام 1952 وتم تسجيله على أنه أول فنان قام بتنفيذ هذه اللقطة على مستوى العالم . ويقودني ذلك إلى سؤال الأستاذ صلاح ابوسيف عن اسلوب دراسته للقطة المركبة ، وعلى اي اساس يقوم بتحديد مناطق القطع التي ذكرت أنها تكون في ادنى الحدود ؟

ا /صلاح ابو سيف :

استخدام نوع معين من اللقطات يتوقف اساسا على نوعية الفيلم , وعلى ما يريد المخرج توصيله من معانٍ إلى المتفرج من خلال لقطة معينة داخل الفيلم , فكما نعلم جميعا أن نوعية الفيلم تحتم على المخرج استخدام نوعية معينه من اللقطات تناسب ايقاع الفيلم ككل , و بالإضافة إلى ذلك قد يلجأ المخرج إلى استعمال نوعية من اللقطات قد يختلف ايقاعها عن الإيقاع الكلي للفيلم و ذلك لضرورة فنية تفرضها طبيعة الحدث فرغم أن الفيلم الرومانسي يحتم المحافظة على ايقاع هادىء نسبيا إلا أن المخرج قد يلجأ إلى ايقاع اسرع يتناسب و أحد مشاهد الحركة التي يحتويها سيناريو الفيلم و هكذا و بمناسبة السؤال عن اللقطات المركبة اذكر أن فيلم ( القاهرة 30) .

حمدى احمد وسعاد حسنى فى فيلم القاهرة30 - عام 1966

وكانت مدته حوالي الساعتين وثلث الساعة لا يحتوي إلا على عدد مائتين و ثلاثين لقطة فقط , ومعنى ذلك أن كل مشهد من مشاهد الفيلم عبارة عن لقطة واحدة فعلا وقد تحتم على ذلك المحافظه على الإيقاع نفسه اثناء تصويرهذه المشاهد وذلك لأن استخدام هذا النوع من اللقطات لا يتيح حريه كبيره امام المونتير لكي يتدخل لمعالجة عيب حدث في ايقاع مشهد ما ظهر ابطأ من اللازم اثناء تصويره , ومن ناحية اخرى حتم علي ايضا دراسة متأنية لحركة الكاميرا حتى لا تبدو مبالغا فيها عند عرض الفيلم وقد استلزم ذلك مني حساسية شديدة لتحديد حركة الكاميرا لكي تبدو نابعة من ردود الأفعال الطبيعيه الصادرة عن شخصيات الفيلم وهذا طبعا مخالف لمشهد الرقصة الذي شاهدناه فى فيلم ( ريا وسكينة ) والذي يحتوي وحده ربما على مائة لقطة في الوقت الذي لم يستغرق عرضه على الشاشه سوى ثلاث دقائق فقط .

د / منى الصبان :

لكن هذا لا يمنع أنه عند الإعداد للقطة مركبة أن يضع المخرج في اعتباره المونتاج داخل اللقطة واقصد به حركة الكاميرا.

ا / صلاح ابو سيف :

        بالقطع فقد سبق وأن اشرت إلى اهمية التفكير فى المونتاج عند الإعداد لتصوير أي لقطة , وبالنسبة للقطة المركبة اراعي تماما أنني اريد أن اقطع في منطقة ما على لقطة قريبة close up  فعندها تتحرك الكاميرا لتظهر الممثل فى لقطة قريبة , أو قد يكون هدفي لقطة متوسطة  meduimshot  فتتحرك الكاميرا لتحقيق هذا الهدف , وهكذا أستغل حركة الكاميرا بشكل مدروس لكي اصل إلى هدفي من المشهد ولكن في لقطة واحدة  in one shot  بدلا من اللجوء إلى القطع للوصول إلى نفس الهدف ولكن مع مراعاة أن تكون حركة الكاميرا طبيعية وغير مبالغ فيها أو مصطنعه و إلا فقدت المعنى الذي أود توصيله للمشاهد من خلال هذه اللقطة.

د / منى الصبان:

        ذكرت أنك تستعمل حركة الكاميرا لخلق مجموعة من اللقطات التي قد تبدو مستقلة إلا أنها عباره عن لقطة واحدة مركبة ولكن هل ايقاع حركة الكاميرا يعطيك التعبير عن المعنى الذي تريده في الوقت الذي تريده ؟

ا / صلاح ابو سيف :

             بالتاكيد وإلا لا ألجأ لهذا النوع من اللقطات من الأساس ، فيجب دراسة حركة الكاميرا بشكل متأن كما ذكرت حتى لا يشعر المشاهد بخلل في ايقاع المشهد وأود أن اذكر هنا أن حجم اللقطة يحدد الزمن الذي تستغرقه حركة الكاميرا و يعتمد ذلك على المعنى الذي يريد المخرج توصيله إلى المتفرج , فمثلا عند تصوير شخص ما يتحرك خارجا من باب احدى الغرف فيمكن أن اقوم بتصوير لقطة لهذا الشخص وهو يقوم ويتحرك في اتجاه الباب خارجا من الكادر ثم اقطع على الباب من الخارج وهذا الشخص يفتحه ويخرج من الغرفة ويمكن ايضا أن اقوم بتصوير هذه الحركة في لقطة طويلة يقوم فيها الشخص ويتحرك في اتجاه الباب إلى أن يصل إلى المقبض و يفتح الباب و يخرج من الغرفة ويعتمد هذا كما اشرت على رؤية المخرج والمعنى الذي يريد توصيله للمتفرج . وتقدير أولوية استخدام هذا الأسلوب أو ذاك يعود إلى المخرج نفسه.

        و اذكر مثالاً اخر يوضح ذلك لمشهد يظهر فيه شخص يصعد على سلم إلى  أن يصل إلى شقته فقد يعطي المخرج الأولوية هنا إلى المحافظة على الإيقاع العام للفيلم فيقطع على لقطة لارجل هذا الشخص اثناء صعوده ثم اللقطة التالية للشخص نفسه وهو يفتح باب الشقة ويدخل , أو أن يعطي المخرج الأولوية لتوصيل معان أخرى من خلال عشر لقطات اثناء صعوده على السلم إلى أن يصل إلى باب الشقة . وهناك مشهد اذكره من احد أفلام (فرانك كابرا) يستعرض فيه من خلال حركة الكاميرا مجموعة من المباني الضخمة والعمارات الشاهقه ثم تنتهي حركة الكاميرا إلى لقطة قريبةclose up على شخص يقف امام هذه المباني فنفهم من هذا المشهد أن هذا الشخص يمتلك كل هذه المباني . ومشهد اخر من فيلم فرنسي يتناول الإحتلال النازي لباريس يستعرض فيه ايضا من خلال حركة الكاميرا من فوق احد الجبال مدينة باريس بكل جمالها و عظمتها وتنتهي الحركة إلى أقدام هذا الرجل الذي يمثل النازية .
ومن هنا نفهم أن للسينما لغة ذات ابجدية واضحة ومحددة شأنها ذلك شأن جميع اللغات الحية كاللغة العربية وما تتضمنه من قواعد للنحو والصرف , أو اللغة الإنجليزية و قواعد تصريف الأفعال و ما إلى ذلك , وكلما اتقنت قواعد اللغة كلما استطعت التعبير عن مرادي بأبسط و ادق الألفاظ بحيث يستطيع أن يفهم حديثي كل من يستمع اليه لا أن أتلفظ بلفظ ما وأنا اريد معنى اخر تماما , وابجدية اللغة السينمائية كما تعلمون تتألف من ثمانية حروف خمسة منها تخص الصورة و الثلاثة الباقيات تخص الصوت فلابد للسينمائي أن يتقن هذه الحروف و يتقن التعبير عن رؤيته الفنية من خلال استعمالها ، الحروف الخمسة الخاصة بالصورة هي

أولا : الديكور .

ثأنيا : الممثل .

ثالثا : الإكسسوار الثابت .

رابعا : الإكسسوار المتحرك .

خامسا : الإضاءة .

والحروف الثلاثة الخاصة بالصوت هي :

أولا : الحوار

ثانيا : الموسيقى

ثالثا : الموثرات الصوتية

             وتتطور مقدرة الفنان في استخدام هذه الأبجدية من مرحلة توصيل المعاني بشكل مباشر إلى مرحلة اخرى متقدمة وهي البلاغة في توصيل المعاني بصورة غير مباشرة تماما كالبلاغة اللغوية التي تستعمل اساليب كالتشبيه و الجناس و التورية .......... إلى اخره , وكلما اتقنت اللغة السينمائية كلما تطورت الأساليب التي استعملها للتعبير عما اقصد من معانٍ سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة , وكلما زادت هذه الأساليب عمقا و رقيا في إلاحساس , والدليل على ذلك أنني استطيع أن اجزم أن كل لقطة يمكن تصويرها بمائة زاوية مختلفه وبأكثر من حجم إلا أن المخرج الواعي الملم بتقنيات المونتاج و المتمكن من لغته السينمائية التي تحدثت عنها يعلم جيدا أن الوصول إلى المعنى الذي يريد توصيله للمتفرج لا يأتي إلا من خلال زاوية واحدة فريدة, إذا نجح في اختيارها من بين الزوايا المائة نجح في تحقيق رؤيته الآخراجية و الوصول إلى المعنى الذي يريده .

        وهناك حقيقه هامة يجب أن يعيها الفنان السينمائي أنه يحتاج إلى أن يدرس أو على اقل تقدير أن يكون ملما بأنواع الفنون الآخرى و التي تفيده في عمله و ذلك لأن بعض عناصر العمل السينمائي تكون أوضح من خلال الفنون الأخرى , فالإيقاع على سبيل المثال يستطيع الفنان استيعابه من خلال دراسة فن الموسيقى والشكل form  أو يستطيع الفنان إلاحساس به من خلال دراسة الفنون التشكيليه كالرسم و النحت و العمارة ..........الخ .  فإلمام الفنان السينمائي بأنواع الفنون الآخرى يلعب دوره ايضا في زيادة قدرته على التعبير عن رؤيته باسلوب افضل يصل إلى المتفرج بسهولة و يسر , لأنه لو اساء ترجمة عناصر الصورة فمعنى ذلك أن المخرج لم ينجح في تحقيق هدفه و توصيل الرسالة التي يريدها له . وبمناسبة الحديث عن الشكل form  اذكر أن أول فيلم قمت باخراجه و كان بعنوان ( دايما في قلبي )

عماد حمدى وعقيلة راتب فى فيلم دايما فى قلبى- عام 1946

وكان فيلماً رومانسياً غنائياً , يحتوي على مشهد غرامي يحدث في حديقة الأسماك وقمت بالإعداد للمشهد بحيث يجلس الشاب وتنام الفتاة إلى جواره فوق الخضرة وكمخرج مبتدىء اعجبت بهذا التكوين composition   جدا من الناحية الشكلية و لم التفت إلى مضمون المشهد أو المعنى الذي يمكن أن يصل إلى المتفرج من خلال هذا التكوين فما كان من احد أولاد البلد و لم يكن متعلما إلا أن قال لي بشكل عفوي تلقائي " مش عيب يا استاذ البنت تنام للولد بالشكل ده من أول مقابله "

د / منى الصبان :

             وهذا ما قصدته من فهم المتفرج لعناصر الصورة بما يخالف الرسالة التي يريد المخرج أن يوصلها اليه .

أ / صلاح ابو سيف :

        تماما وهذا ما قصدته ايضا من أن المخرج قد يخفق أحيانا في الأسلوب الذي يلجأ اليه لتحقيق هدفه , فعندما اعدت التفكير فيما قاله هذا الشخص و جدت أنه بعفوية ابن البلد قام بلفت انتباهي إلى أن اهتمامي بالتكوين و اعجابي الشديد بالشكل جعلاني لا التفت للمعنى الذي قد يصل إلى المتفرج من خلال هذا التكوين أي أنني اعطيت كل الأولوية للشكل فجاء ذلك على حساب المضمون و قد استوعبت هذا الدرس جيدا و لم اقع في مثل هذا الخطأ مرة اخرى وأصبحت أولي نفس القدر من إلاهتمام لكل من الشكل و المضمون  بل و اعطي الأولوية للمضمون أولا ثم اهتم بالشكل بعد ذلك .

ا / عادل منير :

             ونحن بصدد الحديث عن البلاغه في استخدام اللغة السينمائية اذكر مشهداً من فيلم (لا أنام) .

فاتن حمامة ويحي شاهين وهند رستم فى فيلم لاأنام- عام 1957

استمد بلاغته السينمائية من قيامك بكسر القواعد المعروفه وهو المشهد الذي يضم الفنان يحيى شاهين وهو يلقي يمين الطلاق على الفنانة مريم فخر الدين من خلال ثلاث لقطات متتالية يتم تقطيع جملة الحوار أنت "طالق" " طالق" "طالق" مع الإحتفاظ بزاوية الكاميرا نفسها فاريد أن اعرف كيف اعددت لهذه اللقطات و لماذا لجأت لهذا الأسلوب

ا / صلاح ابو سيف :

اعتقد أن طبيعة المشهد وجملة الحوار هي التي فرضت استخدام القطع الخشن rough cutting  هذا من جهة ومن جهة اخرى نلاحظ أن تكوين هذا المشهد يضم البطل الذي يلعب دوره الفنان يحيى شاهين يقف اعلى السلم اثناء القائه جملة الحوار أو يمين الطلاق على زوجته والتي تلعب دورها الفنانة مريم فخر الدين والتي تقف في منتصف السلم ثم شخصية الأبنة التي تسببت في حدوث الطلاق والتي لعبت دورها الفنانة فاتن حمامة وتقف اسفل السلم فوق سجادة حمراء اللون وعند تصوير الفنانة فاتن حمامه من زاوية اعلى السلم تشعر أن السجادة شكلت بقعة من الدماء واعود هنا للتاكيد على استغلال العناصر الموجودة بالمكان لتوصيل المعنى المراد إلى المتفرج , وايضا يجب أن اضع في اعتباري الديكور الذي سأطلب تنفيذه من مصمم المناظر ولابد أن اعلم مسبقا كيف سأستغل معطيات هذا الديكور في اعداد زوايا التصوير التي تساعدني في تحقيق المعنى الذي اريده و ذلك من خلال دراسة وافية ومفصلة .

طالب :

        شاهدت مشهد مشابه في احد أفلام الأستاذ احمد كامل مرسي لاثنين من الشخصيات يسأل احدهما الآخر عمن يحسن الصحبة فيرد عليه الآخر "امك" "ثم امك" "ثم امك" في ثلاث لقطات متتالية

ا / عادل منير :

برغم وجه الشبه بين الأسلوبين إلا أن المعنى المراد مختلف تماما فالأستاذ صلاح ابو سيف قام بتوظيف الأسلوب لكي يخدم المشهد و يعطينا الإيحاء بالحيرة التي تصيب الشخصية التي لعبت دورها الفنانة مريم فخر الدين والناتجة عن الصدمات المتتالية عن القاء زوجها يمين الطلاق ثلاث مرات عليها دون أن تعلم إلاسباب التي دفعته لذلك فهي لم تكن تعلم بالمؤامرة التي حاكتها ابنة البطل والتي لعبت دورها الفنانة فاتن حمامه لكي تشكك الأب والذي يلعب دوره الفنان يحيى شاهين في سلوك زوجته .

أ / صلاح ابو سيف :

        استخدام اللقطات الثلاث في المشهد الذي ذكرته ربما كان يهدف الى تأكيد المعنى الإرشادي من خلال تكرار الكلمه نفسها وليس للايحاء بمعنى اخر .

طالب :

        المشهد الذي شاهدناه من فيلم ( ريا و سكينة ) تضمن كريشيندو للموسيقى وكريشيندو للقطعات فإذا كان قد تم تنفيذ التمازج بين إلاثنين في مرحلة الإعداد للتصوير خاصة وأن الموسيقى كانت معدة بالفعل فهل يمكن التدخل بتعديل الإعداد المسبق لمشهد كهذا اثناء المونتاج ؟

أ /صلاح ابو سيف :

        يمكن التدخل بالتعديل ولكن المونتير هو الذي يقوم بهذا التدخل و ليس المخرج فأنا وبسبب خبرتي في المونتاج وبرغم قيامي بتنفيذ مونتاج أول فيلم قمت باخراجه إعتدت على أن اترك للمونتير الذي يتعاون معي يعمل بحرية تامة ثم اقوم باستعراض ما قام بتنفيذه فإن وافق رؤيتي للعمل أوافق عليه وإلا أسجل اعتراضي و أوضح له وجهة نظري حتى يقتنع بما اريده. فعندما تعاملت مع المونتير الأستاذ اميل بحري كان احيانا يقوم باجراء تجارب مونتاجية ثم يقوم بعرضها علي وكان بعضها جيداً وبعضها ليس كذلك واتذكر أنه حدث خطأ في تصوير احد مشاهد فيلم ( لك يوم يا ظالم ) .

محمود المليجى ومحسن سرحان فى فيلم لك يوم يا ظالم- عام1951

ادى إلى ظهور نصف وجه الفنانة فردوس محمد  فقط في حين خرج النصف الآخر خارج الكادر إلا أنه استخدم هذا المشهد وكان موفقا جدا في استخدامه برغم أنه فى الأساس خطأ غير مقصود من المصور واريد التأكيد من هذه الواقعة على أن المونتير يجب أن يكون على اتم استعداد للتدخل بالتعديل لمواجهة المواقف المختلفة .

واذكر في هذا الصدد واقعة حدثت معي اثناء فترة عملي كرئيس لقسم المونتاج في ستديو مصر حيث اراد المسؤولون عن الإستوديو الإستعانة بالفنان يوسف وهبي لاخراج فيلم بعنوان سيف الجلاد في عام 1944 أو 1945 إلا أنه ولظروف خاصه نتجت عن خلافه معهم أراد أن يستعين بطاقم عمل خارجي لعدم اقتناعه وقتها بالعاملين في ستوديو مصر , ولم يكن لدي اعتراض على ذلك في بادىء الأمر لكن مجموعة من الزملاء اعتبروا الأمر مسألة كرامة وتعدٍ على كبرياء مجموعة العاملين بالاستديو وكنت من ضمن العاملين فقبل الأستاذ يوسف وهبي على مضض الاستعانة بي كمونتير للفيلم وكما أشرت إلى أن أنني لم اكن مرحبا بالعمل معه في بادىء الامر لأنه وعلى الرغم من احترامي الشديد له كفنان مسرحي إلا أنني كان لدي كثير من التحفظات على عمله كمخرج سينمائي ولكنه اثار في روح التحدي عندما قبل العمل معي على سبيل التجربة وعلى أن يقوم باستبدالي إذا لم يعجبه ما اقوم به من مونتاج فرحت افكر طويلا اثناء جلوسي على المفيولا لكي اقوم بعملي بشكل يتميز عن اي مونتير كان يمكنه الاستعانة به
للقيام بمونتاج الفيلم , ونظرا لأنه لم يكن مخرجا سينمائيا متمكننا فكانت تصدر عنه أخطاء كثيرة  في أتجاه حركة الممثلين مثلا والتي قمت بالتعامل معها من خلال المونتاج إلى الدرجه التي جعلته يقتنع بعملي كمونتير و أصبح يثق في عملي ثقة كبيرة واذكر أنه تم عرض الفيلم في مهرجان كان حيث اشاد النقاد بمونتاج الفيلم اكثر من اشادتهم بالأخراج
وهكذا ترون أن المونتير إذا أخذ عمله على محمل الجد واراد أن يفهم ويعي ادق تفاصيل المونتاج يستطيع أن يتدخل بالتعديل في معاني المشاهد وليس مجرد ترتيب اللقطات أو اصلاح الأخطاء التي تحدث اثناء التصوير وذلك بعد اقناع المخرج بوجهة نظره , وأنا كمخرج اعطي الحرية التامة للمونتير لأنه يعتبر المتفرج الأول للفيلم وعلى اتصال مباشر بالإيقاع العام للفيلم والإيقاع الخاص بكل مشهد من المشاهد وعلى الرغم من أن المونتير قد يتدخل بالحذف لمشهد ما استغرق تنفيذه عدة ايام وذلك لأنه يرى التأثير السلبي على الإيقاع العام للفيلم فإذا وجدت الثقة التامة بين المخرج و المونتير فسيرضخ لطلبه ويوافق على حذف المشهد .

طالب :

        ولكن بالنسبة للمشهد الذي ذكرته من فيلم ( ريا و سكينة ) هل تتخيل مواضع القطع وعلاقتها بالجمل الموسيقيه بالضبط ام أنك تترك الحرية هنا كاملة للمونتير ؟

أ /صلاح ابو سيف :

        بالقطع وكان في ذهني ولو تخيل مبدئي وإلا فلماذا قمت بتصوير هذه اللقطات بهذا الشكل إلا أن الحرية التي اتركها للمونتير هنا تكمن في تركيبه للقطات بشكل صحيح .

طالب :

اتعني أنك قمت بتصوير عدة لقطات طويلة ثم قام المونتير بتقطيعها وفقا للايقاع الموسيقي المصاحب لها ؟ اعني أن الكريشيندو كان موجوداً في العمل كفكرة عامة .

أ /صلاح ابو سيف :

طبعا ، وذلك لأن الحدث يتصاعد دراميا في اللقطات التي يتكون منها المشهد ولذلك لابد من وجود الكريشيندو في اللقطات كلها أثناء التصوير , ثم يأتى المونتير ويقوم بالقطع بالطريقة التي تتناسب مع الموسيقى .

طالب :

نعلم أنك رائد من رواد الواقعية كمدرسة فنية ، فما الفرق بين الواقعية في فيلم شباب إمرأة , وفيلم البداية و الدور الذي لعبه المونتاج في كل منهما؟

أ / صلاح ابو سيف :

الواقعية هي الواقعية في كل الأفلام التي تتسم بالواقعية ، وفي رأيي الشخصي أن الواقعية هي أن تكون صادقا في تقديم فنك للمتفرجين ، وبجانب الصدق تأتى مراعاة القيم الجمالية والاجادة في العمل , وفوق كل ذلك لابد أن يكون للفنان رأي صائب من الناحيه الاخلاقية  والسياسية وأن يراعي في اختياره للمواضيع التي يتناولها ، أن تكون ذات صلة بمشكلات تهم جميع فئات المجتمع الذي يعيش فيه والتي قد تمتد لتهم الانسانية كلها .
وأنا ارجو منكم مراعاة القيم الحمالية وأن تعلموا أن ذلك ليس معناه تزييف الواقع فقد سئمنا من القبح بكل اشكاله والذي يتم ممارسته تحت دعوى الواقعية وهذا خلط كبير فعلى الرغم من أن الواقع يحتوي على اللونين الأبيض والأسود إلا أنه يوجد بين اللونين العديد من درجات اللون الرمادي والتي تتيح للفنان الاختيار فيما بينها لكي يعطي لعمله الواقعية ولكن بعد اضفاء

اللمسة الجمالية التي تجذب المتفرج بادىء ذي بدء لكي يشاهد العمل وبالتالي يستطيع الفنان أن يصل بما يريد من افكار ورؤى إلى عقل ووجدان المشاهد الذي تجذبه أربعة اشكال من المتعه ، متعة العين ، ومتعة الأذن ، ومتعة العقل ، ومتعة القلب ، وليس شرطا أن يحتوي العمل الفني على الأشكال الأربعة بل قد تكفي في كثير من الاحيان أن توجد احداها لكي تجذب المتفرج إلى العمل ، وعلى النقيض نجد الأعمال التي تحتوي على الكثير من القبح دون أن تسأل اي رساله واي افكار يمكن أن تصل إلى المتفرج من خلال هذا الكم من القبح و النتائج التي تترتب على هذا من تدمير لاخلاقيات المجتمعات وتشويه لوجدان الشعوب , وهل فكر صناع هذا النوع من الأعمال لردود الأفعال الناتجة عنها والتي قد تصيبهم هم واسرهم و المجتمعات التي يعيشون فيها ، ونجد أنه غالبا ما يتم افتعال المواقف في مشاهد الفيلم لكي يشبع صناع الفيلم رغبتهم في ممارسة القبح سواء بالفعل أو باللفظ  , واذكر أن بعضهم قام بإحصاء لفظ يسب به أبطال احد الأفلام بعضهم بعضاً فوجدوه قد ذكر اكثر من خمس عشرة مرة .

د / منى الصبان :

وحتى لو قيل اللفظ مره واحدة ، فهو غير مقبول على إلاطلاق .

أ /صلاح ابو سيف :

لو قيل اللفظ مرة واحدة بهدف التعبير عن مدى الغضب الذي تحتويه الشخصية والذي لا يجد المتنفس إلا في هذا اللفظ , ولكن حتى في هذه الحاله يوجد العديد من البدائل التي يمكن الاستعانة بها والتي تؤدى إلى الهدف نفسه ، ودعوني اسألكم هل جرب احدكم مراقبة المتفرجين وهم يضحكون في صالات العرض عند مشاهدتهم لاحد هذه المشاهد التي يحتوي حواره على الألفاظ النابية أو ألفاظ السب واللعن .

أعتقد أن الضحك هنا ما هو إلا تعبير عن الرفض الجماعي لهذه المشاهد أو هو نوع من العقاب الجماعي لصناع الفيلم ، وليس ابتهاجا بما جاء فيه ولكي تقترب هذه الفكرة من اذهانكم ، اذكر لكم مثالا بسيطا لشخص يتوجه إلى حقل وهو يرتدي بدلة سموكنج في الوقت نفسه الذي يرتدي فيه شبشب  فلابد لمن يراه أن يضحك لا أنبساطا بما يراه ولكن سخريه ورفضاً لما يراه .

وعلى كل الأحوال اعتقد أن الغالبيه العظمى من مجتمعاتنا تحرص على مراعاة القيم الأخلاقية في المعاملات بين الأفراد وبعضهم بعضاً , وعلى المستوى الفردي أعتقد أنه لا يوجد من يحب أن يوجه اليه الآخرون الفاظا بذيئة , وعلى المستوى الفني يجب أن نتكاتف كلنا كفنانين لمواجهة اشكال القبح كافة. ويجب أن نعلم أن الفنان يبيع الذوق إن جاز التعبير وأن الكلمة التي تصدر عن الفنان سواء كانت مطبوعة في كتاب أو مسموعة في عمل سينمائي تؤثر ليس في المئات ولا في الالاف بل في الملايين من الناس ولكم أن تتخيلوا جسامة المسؤولية الملقاة على الفنان , ولذلك أنا اطلق على معهدكم معهد الزعماء ولا اقول ذلك لكي يصيبكم  الغرور بل لكى تدركوا مدى التاثير الذي يمكن لكم أن تحدثوه في وجدان مجتمعاتكم فلو كانت اعمالكم عظيمه كان لها التاثير العظيم .

واعود إلى التاكيد على تناول المواضيع التي لها صلة بالمشكلات التي يعاني منها المجتمع ثم نحاول ايجاد الحلول الملائمة لها بمنتهى الصدق و الأمانة لا أن نقوم بعرض الحلول التي نعتقد أنها ستلاقي الاجابه لدى الجمهور أو الحلول المزيفه كأن نعرض قصة شخص يحاول التخلص مما يعاني من فقر فيكسب ورقة يا نصيب فيصبح غنيا بين يوم وليلة , وفيلم الفتوه كمثال يتناول مشكلة لها جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من خلال عرض لقوى المافيا التي تحكم سوق الخضار , وتهدف إلى رفع اسعار الخضر و الفاكهة حتى ولو قاموا في سبيل ذلك بإلقائها في نهر النيل وعندما أردت وضع نهاية للفيلم وجدت أنه من الأنسب أن اترك النهاية مفتوحة فأنهيت الفيلم كما بدأته تماما بمشهد مشابه تماما وباثنين من الممثلين على قدر المساواة لبطلي الفيلم فالفنان محمود المليجي يدخل السوق في مشهد النهاية شبه عريان حافي القدمين ويتلقى الصفعة على قفاه ومن ثم يتلقى التعزيه من الفنانة هدى سلطان تماما كما حدث في مشهد البداية للفنان فريد شوقي والفنانة تحيه كاريوكا في إشارة إلى أن المشكلة التي يتناولها الفيلم تبقى مستمره حتى يومنا هذا وذلك لتشعب جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والساسية للبلد ككل .

د / منى الصبان:

اي أنه لا يوجد امل في ايجاد حل لهذه المشكلة ؟

ا /صلاح ابو سيف :

الحل كما ذكرت يكمن في تغيير النظام الاقتصادي نفسه وهنا تظهر الواقعية في تناول المشكله , فالواقعية تحتم التسليم باستمرار المشكله ما دامت نفس النظم الاقتصادية والاجتماعية مستمرة. والواقعية لها العديد من الأشكال ، فهناك واقعية المكان ، وواقعية الزمان ،والواقعية الرمزية ، والواقعية الاشتراكية ......الخ ولكن يبقى دائما وابدا الصدق في تناول العمل الفني من أهم العوامل التي تكسبه الواقعية

د/ منى الصبان :

فيلم الفتوة من الأفلام التي تدرس ، وأنا على قناعة تامة أن هذا الفيلم يتضمن مفاهيم اقتصاديه اهم مما كتب في كتب الاقتصاد التي كتبها المتخصصون , فالفيلم درس غير مباشر في الاقتصاد ، تلقاه اعداد كبيرة من الجماهير ، وللاسف فالفيلم لم ينل حقه من الدراسة والتحليل من ناحية اللغة السينمائية وذلك لعدم وجود المعاهد الكافيه للدراسات النقدية والتي اتمنى أن تزيد وأن تقوم بدورها في اثراء الحركة الفنية بالدراسه والتحليل .

أ /صلاح ابو سيف :

أنا شخصيا ، قمت بعمل دراسات اقتصادية لتساعدني في تنفيذ الفيلم تمكن من الحصول على درجة الماجيستير أو الدكتوراه في الاقتصاد , وفكرة الفيلم بدأت اثناء احدى الجلسات عندما ذكر احد الجالسين ارتفاع اسعار الطماطم و جذبنا الحديث و وجدنا أن الموضوع يمكن تناوله من خلال عمل سينمائي و قد كان و تم تنفيذ فيلم (الفتوة) الذي يعتبر اليوم من اهم الأفلام وذلك لأن موضوعه تمت دراسته بعناية , فقد ظللت اتردد على سوق الخضار بشكل يومي من الساعه الرابعة وحتى التاسعة صباحا اشاهد واراقب التجار في حياتهم اليومية ومعاملاتهم فيما بينهم لدرجة أنهم ارتابوا من وجودي وظنوا أنني من قوات البوليس وواجهوني بظنونهم فاخبرتهم بأنني اقوم بعمل موضوع صحي عن السوق إلى أن تعرف علي احدهم و استقبلني في محل عمله ورأيت ثلاجة الخضار التي يستعملها والتي قمت باستغلالها في الصراع النهائي بين بطلي الفيلم الفنانين زكي رستم و فريد شوقي والذي أنتهى بموت الاثنين حيث مات احدهما فعلا والآخر مات بمعنى لم يعد له قيمه .

وقد استعنت ببعض تجار السوق في الفيلم حيث إنني وجدت أن لهم طريقة خاصة جدا  في الحديث ولو كنت استعنت بممثلين أو بكومبارس لم اكن لاصل بأدائهم إلى خدمة الفكرة الاساسية للفيلم .

طالبة :

هل من حق المخرج أن يعرض حلولاً للمشكلة التي يتناولها فيلمه ام يكتفي بعرض وجهة نظره لحل المشكله و لكن بشكل غير مباشر , فهناك من يقول إنه من الخطأ فرض وجهة نظر معينة للحل .

أ /صلاح ابو سيف :

لابد للفنان أن تكون له وجهة نظر ولا خير من فرضها على المتفرج .

طالبة :

حتى و لو كانت وجهة النظر خطأ ؟

أ /صلاح ابو سيف :

تعتبر من أهم مقومات الفنان امتلاكه لوجهة نظر و حرصه على أداء رسالة معينة أما تحديد مدى صواب أو خطأ وجهة النظر هذه فيتوقف على الفنان بالإضافة إلى أن هذه المسألة تخضع لمبدأ النسبية , فما يراه البعض صواباً قد يراه البعض الآخر خطأ و العكس صحيح , وقد يرى البعض معاناً في العمل السينمائي ربما لم تخطر على بال مبدعه اساسا واذكر في هذا الصدد أن الكثيرين ممن شاهدوا فيلم
( البداية )
  .

 

            أحمد زكى ويسرا فى فيلم البداية-عام 1986

اعتقد كل منهم بأنني قصدت عدداً من الرؤساء الذين تعاقبوا على رئاسة الجمهورية في حين أنني قصدت بالشخصية التي أداها الفنان جميل راتب أن تكون الرأسمالية الطاغية .

د / منى الصبان:

ولكن استطرادا للسؤال الذى طرحه الطالب قبل ذلك هل ترى علاقة بين واقعية فيلم شباب امرأة , وواقعية فيلم البداية ؟

أ /صلاح ابو سيف :

واقعية فيلم شباب امرأه تعتبر واقعية أخلاقية في حين أن موضوع فيلم البدايه واقعية سياسيه ففيلم شباب امرأه يتناول شاباً تغرب عن اهله سواء كان من القرية إلى القاهرة أو من القاهرة إلى أوروبا مثلا واعترف أن الرواية اخذت عن واقعية حقيقية حدثت لي عندما سافرت في سن العشرين إلى باريس لكي ادرس السينما والصدمه الثقافية والحضارية التي تعرضت لها و الفروق الشاسعه التي وجدتها بين حواري بولاق وشوارع باريس ففي حين كنت اخجل من النظر إلى امرأة تسير في الشارع المصري وجدت على النقيض تماما المرأة هي التي تطلبني في فرنسا. و لو أنني اعتقد أنني لو اتيح لي إخراج الفيلم من جديد في الوقت الحالي كنت ساقوم بتغيير نهاية الفيلم ذات الطابع الأخلاقي البحت والتي تمثلت في الموت المأساوي لبطلة الفيلم الفنانة تحيه كاريوكا , فأنا اعتقد الآن أن بطل الفيلم الذي لعب دوره الفنان شكري سرحان تلقى درسا هاما على يديها اي أنه قد إستفاد من علاقته بها مما غير من تطور أحداث الرواية .

اما فيلم البدايه فالموضوع مختلف يتناول مبدأ الديمقراطيه و يقرر أن بداية اصلاح المجتمع لابد و أن يرتبط بالايمان بالديمقراطيه فعلى الرغم من اهمية كلا الموضوعين إلا أنني اعتقد أنه لا علاقة بينهما .

د / منى الصبان:

على حين أن فيلم شباب امرأة قام على اساس واقعية حقيقية نجد أن فيلم البداية لم يقم على اساس حادثة واقعية برغم وصفك له بأنه واقعية سياسية .

أ / صلاح ابو سيف :

الواقعية في طبيعة الموضوع , فالموضوع يتحدث عن مشكلة سياسية وكنت أهدف إلى خلق مجتمع جديد يتكون بالضرورة من نفس المجتمع القائم بالفعل فنجد فيه الفلاح والعامل والمثقف والراقصه .......الخ وكان بالامكان تناول الموضوع نفسه من خلال المجتمع القائم .

د / منى الصبان :

و لكن لم تكن الرقابة لتوافق عليه ؟

أ / صلاح ابو سيف :

و هنا كان احد الأسباب الذي اخترت من اجلها القالب الكوميدي للعمل , وايضا حتى لا يغلب الشكل السياسي الخطأ  على الموضوع مما يجعله ثقيلا على نفس المتفرج فيصيبه الملل ويبقى المهم في النهاية توضيح كيف اجتمعت عناصر المجتمع الجديد لمواجهة المستغل الذي يهدف باستمرار لتحقيق مكاسبه الشخصية من خلال استغلالهم .

طالب :

نريد أن تحدثنا عن تجربة اشتراك اكثر من فنان في وضع سيناريو , وكيف يصلون إلى اتفاق عام على موضوع واحد  ليظهر في النهايه في شكل عمل ناجح ؟

أ /صلاح ابو سيف :

يوجد اساليب مختلفة لاشتراك اكثر من كاتب سيناريو في كتابة موضوع ففي امريكا يستعينون بكتاب سيناريو متخصصين لكتابة بعض المشاهد التي يحتويها احد الأفلام كأن يتم اسناد كتابة بعض المشاهد التي تحتوي على مواقف كوميدية أو بعض النكات وذلك بهدف التخفيف من حدة موضوع الفيلم أو يتم اسناد كتابة بعض المشاهد الرومانسيه في فيلم اخر و هكذا , ولكن الايطاليين هم الذين ابتدعوا فكرة أن يشترك عدد من كتاب السيناريو في وضع سيناريو واحد من خلال اتفاق عام في الرؤى و الأراء .

وقد قمت بالاشتراك مع الأستاذ نجيب محفوظ , والأستاذ السيد بدير بكتابة ما يقرب من العشرين سيناريو سواء كانت معدة من روايات أدبية أو معدة خصيصا للسينما و الفكرة العامة هي اتفاقنا في الاتجاهات واسلوبنا في العمل هو المناقشات المطولة وكل منا يدلي برأيه إلى أن نصل إلى اتفاق عام على رأي واحد ثم يقوم احد ما بصياغة ما توصلنا اليه ثم نستعرض ما تم صياغته ومن ثم إلاتفاق مجددا على الأخذ به أو تعديله .

و كما قال أرنهيم في كتابه إن العلاقه بين المخرج والسينارست كالعلاقة الزوجية تماما ولابد من وجود اتفاق بين الزوجين , وأذكر أنني قابلت ايفون هاربوس كاتبة السيناريو و كانت متزوجة من اشهر مخرجي المانيا ايام السينما الصامتة وحكت لي كيف أنهم إعتادوا إجراء المناقشات في كل أوقات حياتهم ليلا و نهارا وتبادل الافكار والاراء فهي ككاتبة سيناريو لديها نقاط قوة معينة يكملها ما لدى زوجها كمخرج من نقاط قوة اخرى مما يؤدي في النهايه إلى الوصول إلى سيناريو ناجح عندما يجتمعان معا على اتفاق واحد .

طالب :

هل هناك افضلية لأن يكون مخرج الفيلم هو كاتب السيناريو ام أن يكون كاتب السيناريو شخصاً اخر ام أن ذلك يخضع لنوعية الفيلم ؟

أ/ صلاح ابو سيف :

أنا شخصيا أفضل أن يكون كاتب السيناريو شخصاً اخر غير مخرج الفيلم وذلك لأنه كما سبق وأشرت أن وجود عقليتين أو اكثر كل منهما تمتلك من نقاط القوة والرؤية الخاصة ما يثري العمل الفني , والتجربة التي خضتها مع الأستاذ نجيب محفوظ والأستاذ السيد بدير والتي اشرت اليها فى معرض حديثي خير دليل على ذلك , وقد وصلنا إلى درجه من إلاندماج جعلتنا لا نستطيع أن نحدد من منا الذي كتب جمله الحوار هذه أو تلك برغم التقسيم المبدئي للعمل فيما بيننا فقد كان الأستاذ نجيب محفوظ مكلفاً بالإعداد للبناء الدرامي , في حين كان الأستاذ السيد بدير مكلفاً بالإعداد لحوار الفيلم , وكنت أنا اقوم بالإعداد السينمائي للرواية إلا أن التفاهم الشديد والاتفاق العام على رؤية واحدة نابعة من الاتجاهات نفسها تجعل العمل في النهاية منسوبا إلينا نحن الثلاثة لا إلى واحد منا فقط .

طالب :

اشرت إلى اهتمامك لمبدأ الصدق كأساس لواقعية أفلامك , نريد أن نعرف كيف يلعب المكان دورا في السيناريو فمثلا في فيلم البداية كان المكان عبارة عن صحراء و رغم أنها لم تظهر بوعورتها إلا في لقطات قليلة جدا فقد غلفتها في اطار جمالي من خلال استعمال رموز تعبر عن افكار الفيلم . 

أ / صلاح ابو سيف :

كان اختيار الصحراء تعبيرا عن بناء المجتمع الذي تدور حوله فكرة الفيلم  من البداية وكان بإلامكان استبدال الصحراء بجزيرة مثلا , إلا أن اهتمامي الاكبر كان بموضوع الفيلم الذي يجتمع فيه هؤلاء الاشخاص الذين يأتون من خلفيات مختلفة و يشكلون جانبا من فئات المجتمع في مكان ما وما يدور بينهم من صراعات طبيعية في سبيل خلق مجتمع جديد يحاول مواجهة الشخصية التي تستغل كل شيء من الحاجة والجهل وحتى الدين للوصول إلى مكاسب شخصية وكيف يتصدى المجتمع الجديد لمحاولاته في رد فعل من جانب أفراده لارساء قواعد الديقراطية الحقة التي نحلم بها .

طالب :

فيما يتعلق بواقعية المكان شاهدت فيلما من اخراج روبرت وايز تم تصويره في أحد الأحياء الأمريكية , ولم نر اي لمحات جمالية إلا في نهاية الفيلم فهل موضوع الفيلم يفرض أحيانا على الفنان أن يظهره كما هو دون اي رتوش جمالية .

أ / صلاح ابو سيف :

أنا طبعا لم اشاهد الفيلم لكي ارد عنه هذا إلاتهام ولكن روبرت وايز من المخرجين الذين أعلم طبيعة أعمالهم وأعلم أنه يمتلك من الحس ما يؤهله لاضفاء اللمسات الجمالية على مشاهد أفلامه وهذا ينطبق على كل المخرجين الواعين الذين يمتلكون من الأدوات ما تؤهلهم لخلق سينما مبدعة فالمخرج الواعي لا يقوم بنقل عناصر المكان نقلاً فوتوغرافياً تسجلياً بل إنه يقوم بتصوير المكان من وجهة نظره أو بتصوير مناطق الجمال كما يراها واذكر أن المخرج الأستاذ محمد كريم كان عندما يقوم بتصوير بقرة مثلا يطلب غسلها و تنظيفها لكي تظهر هي و الفلاح الذي يقودها بشكل جميل من وجهة نظره وقد يرى غيره عكس ذلك فالمسأله نسبية فكونك لم تعجبك مناطق الجمال في الفيلم لا يعني بالضرورة عدم وجود لمسات جمالية به .

طالب :

كنت اقصد هل الصدق يفرض على المخرج الألتزام بعدم التدخل بالتغيير أو إضافة الرتوش الجمالية إلى عناصر المكان فمثلا شاهدنا في فيلمك ( بداية و نهاية) عبارات مكتوبة على جدران البيوت في الخلفية التي تظهر وراء الممثلين ام أن هذه الرتوش كانت مضافة على المكان؟

أ / صلاح ابو سيف :

العبارات التي اشرت اليها لم يكن المقصود بها معانياً جمالية فهذه العبارات ليست مصطعنة بل موجودة بالفعل على اغلب البيوت في الحارة المصرية فتجد عبارات مثل " اتق شر من احسنت اليه " أو اشارة " هنا المأذون " وأنا لم اقم باضافة هذه الرتوش بقدر ما استثمرتها لإضفاء معانياً معينة تخدم الموقف الدرامي مثل عبارة " هنا المأذون" و السهم المرسوم الذي يشير إلى محل عمل المأذون والتي استخدمتها كخلفية للجدال الذي دار بين الشخصية التي ادت دورها الفنانة سناء جميل والشخصية التي ادى دورها الفنان صلاح منصور على الزواج  .

واعود هنا للحديث عن اهمية أن يكون الفنان السينمائي ملما بأنواع الفنون كافة فيجد مثلا في الموسيقى ما يسمى بال counter point  أو الموسيقى المتناقضة للحن الاساسي وأذكر كمثال لذلك مشهدا من فيلم القاهره 30 تسير فيه الشخصية التي لعبت دورها الفنانة سعاد حسني جنبا إلى جنب مع الشخصية التي لعب دورها الفنان عبد العزيز مكاوي يتحدثان عن الحاله الاقتصادية السيئة التي يعيشان في ظلالها على حين تجد في الخلفية شتى أنواع الاعلانات عن جائزه قدرها ثلاثون جنيها وإعلان اخر عن فيلم الملاك الأزرق في تناقض واضح مع الحديث الذي يدور بين الشخصيتين وكل مهمة المخرج هنا هو اختيار الخلفية المناسبة التي تخدم الموضوع وتدعم المعنى المراد سواء كان بالتناقض كما ذكرت أو بالتماثل كالمشهد الذي ذكرته من فيلم بداية ونهاية أو المشهد الذي جاء في فيلم شباب امرأة الذي تظهر فيه الشحصية التي لعبت دورها الفنانة تحيه كاريوكا وفي الخلفية يظهر إعلان عن نوع من المشروبات الغازية مكتوب فيه أنها " كبيرة و لذيذة " في إشارة واضحة لطبيعة الشخصية .       

طالب :

كيف يستطيع المخرج أن يصل بالمتفرج العادي لفهم العمل على المستوى الفني ؟

أ / صلاح ابو سيف :

أنا لا اعتقد كبداية في وجود ما يسمى بالمستوى الفني أو غيره أو مستوى الجمهور أو فوق مستوى الجمهور كل هذه مصطلاحات ابتدعها أناس لتبرير فشلهم في ايصال اعمالهم إلى الجماهير , فالسينما منذ أن ظهرت وهي فن شعبي لابد أن يفهمه كل فرد من أفراد الشعب , فمثلا لو خاطبتكم الان باللغة الألمانية يجوز أن يفهم كلامي فردان أو ثلاثة منكم والباقي لن يفهم برغم أنني قد اكون بليغا جدا في كلامي واتحدث في موضوع على درجة كبيرة من الأهمية فلابد وأن اعلم تماما أن أغلبكم يتحدث اللغة العربية ولابد وأن احدثكم باللغة التي تفهمونها .

وأن يقوم الفنان بصنع عمل سينمائي ثم لا يفهمه الجمهور فيلقي باللوم على عدم  قدرة الجماهير على الفهم هذا من باب الخلط الكبير, فالحقيقة أن الجمهور إذا لم يفهم العمل الفني فمعنى ذلك أن المخرج لم ينجح في توصيل عمله إلى الجمهور , وبالتالي فهو لا يمتلك الأدوات التي تمكنه من ذلك , وهناك نقطة هامة جدا يجب أن نضعها في الاعتبار وهي أن السينما عمل فني جماعي مكلف فالمخرج لن يستطيع تنفيذ عمل سينمائي بمفرده , قد يستطيع الشاعر أن يبدع قصيدة شعر بمفرده , وقد يستطيع الفنان التشكيلي رسم لوحة فنية بمفرده , وقد يستطيع المؤلف الموسيقي تأليف قطعة موسيقية بمفرده ,ولكن المخرج السينمائي لا يستطيع ذلك فالعمل السينمائي يحتاج لتكاتف فريق كامل من الفنانين والفنيين تحت قيادة المخرج السينمائي الذي يتحمس لموضوع ما ويصبح اهم ادواره أن ينقل الحماس لباقي أفراد الفريق فيما يشبه العدوى إن جاز التعبير ,ولابد أن يشمل الحماس القائمين على إنتاج الفيلم .

و يجب أن يضع المخرج في اعتباره متطلبات الانتاج, فكما قلت العمل السينمائي مكلف ولابد من أن تعود هذه التكاليف إلى الانتاج إضافة إلى ارباحها وليس معنى ذلك أن ينحدر الفنان بمستواه لمجرد ربح الاموال , فالعمل الفني الجيد لابد وأن يفهه الجمهور وبالتالي يقبل عليه فيربح منتجوه , اما إذا لم يحدث اقبال من الجمهور فلا يعني ذلك سوى وجود خطأ من المخرج أو من السينارست أو حتى من زمن عرضه فهناك أمثلة لأفلام تم عرضها في وقت ما ولم تجد الاقبال من الجماهير ثم عرضت بعد ذلك ولاقت الاقبال ولكن هذه ليست القاعدة فلا يمكن أن يتم إنتاج فيلم على امل أن يلاقي الاقبال بعد عشرة اعوام من تاريخ إنتاجه

د / منى الصبان :

فعلا لا يمكن إنتاج فيلم ما تحت دعوى أن " الجمهور عاوز كده "

أ / صلاح ابو سيف :

بالقطع فهذه مقولة اخرى خاطئة ولو تصادف و شاهدتم ردود الأفعال على الجماهير التي شاهدت لتوها فيلما من الأفلام الهابطة المستوى ورأيتم كمﱠ الاشمئزاز والكآبه التي تعلو الوجوه لتأكد خطأ هذه المقولة ولذلك نجد من وقت لآخر قطيعة تحدث بين الجماهير وبين دور العرض السينمائي برغم تعطش الجماهير للأفلام الجيدة خاصة وأن السينما في مصر على وجه الخصوص وفي بلاد الشرق عامة هي وسيلة التسلية الوحيدة فنحن شعوب غير معتادة على ارتياد الملاهي الليلية ونسبة قليلة هي التي اعتادت على الذهاب لمشاهدة ما يعرض بالمسرح , ولذلك نجد أن الجماهير تعود للسينما بعد ظهور فيلم جديد جيد ثم تحدث القطيعة مرة اخرى لكثرة الأفلام التي لا تحمل قيمه أو مضموناً والتي لا فرق بين إنتاجها وبين تجارة المخدرات فكلاهما تغييب لعقل المتفرج و تشويه لوجدانه ولذلك يجب إلاصرار على تحقيق المعادلة الصعبة بين تقديم الفن الذي يحمل المضمون الجيد في غلاف جذاب من خلال لغة سينمائية راقية وعندها سيصل بالتأكيد إلى الجماهير .

طالب :

ولكن هذا النوع من الفنانين عددهم قليل .

أ / صلاح ابو سيف :

يتوقف هذا على اتجاه الفنان سواء كان مخرجاً أم كاتب سيناريو أم مونتيراً وللأسف أنا اعلم أن المناخ العام سيء جدا مما يدفع بعضهم إلى تقديم التنازلات لكي يحصلوا على العمل ولكن ليعلم الجميع أنه ما إن تقدم التنازلات مره حتى يجد الفنان نفسه وقد اعتاد على تقديمها حتى يصل إلى نقطة اللا عودة , وأنا اعتقد أن العلاج المناسب لهذا المناخ السيء هو عودة القطاع العام لسابق نشاطه حتى يعطي الفرصة للشباب لكي يمارس عمله ويحقق الحياة الكريمة التي تحول دون وقوعه في براثن حلقة التنازلات المفرغة التي لا تنتهي والتي يدفعهم اليها منتجو القطاع الخاص واغلبهم ممن لا هم لهم إلا تحقيق المكاسب المادية واشباع المصالح النفعية وإرضاء العلاقات الشخصية , واذكر مرة أن احد المنتجين اقدم على تجربة الانتاج السينمائي لأن خطيبته التى كانت تعمل ممثلة اشترطت عليه إلى جانب المحل الذي سيشتري لها منه الاثاث اشترطت اسمي كمخرج لأٌٌقوم باخراج فيلم لها .

د / منى الصبان :

تعني من ضمن المهر الذي قدمه لها .

أ / صلاح ابو سيف :

نعم بالطبع رفضت المسأله من مبدئها عندما علمت بهذه الرواية و قد قام احد زملائنا باخراج الفيلم لها  ,وكان فيلما سيئا للغاية .

طالب :

وكيف قام القطاع العام بدوره في السابق , وكيف ساعد الفنانين الشباب على ممارسة ابداعهم الفني , وكيف يمكن تحقيق هذا الآن ؟

أ / صلاح ابو سيف :

أنا اذكر عندما كنت رئيسا لمؤسسة فليمنتاج أن المخرجين الجدد أنذاك امثال الفنانين حسين كمال ، وخليل شوقي ، وجلال الشرقاوي قد اخذوا نصيبهم من الفرص كاملا واثبتوا وجودهم كفنانين لهم رؤى واضحة وقد استمر اغلبهم بعد ذلك و أصبح له خطى ثابتة في المجال السينمائي

د / منى الصبان :

ولماذا لا تقوم الدولة حاليا بعمل قطاع عام سينمائي ؟

أ / صلاح ابو سيف :

لقلة الموارد المادية .

د / منى الصبان :

فقط لهذا السبب ام لتخوف من الخسارة المادية ؟

أ / صلاح ابو سيف :

يجوز أن يكون هناك من يبث هذا التخوف من الخسارة المادية ولكن الواقع أن الخسارة المادية المزعومة للقطاع العام مبنيه على حسابات خاطئة وذلك لأن من قاموا بالحسابات اعتبروا أن الفيلم الذي تكلف إنتاجه خمسين الفا من الجنيهات و حقق مكاسب ثلاثين الفا بعد ستة اشهر فقط من أول تاريخ لعرضه اعتبروه قد خسر عشرين الفا من الجنيهات في حين أنهم نسوا أو تناسوا أن للفيلم عمراً افتراضياً يحقق ارباحه خلاله ولاشك أن من حارب القطاع العام هم اصحاب المصالح الشخصية ونسي الجميع أن القطاع العام تصدى للصوص والمرتشين الذين يستغلون السينما اسوأ استغلال لتحقيق مكاسب شخصية و لتهريب الأموال خارج البلاد .

د / منى الصبان :

ولكن ألا يوجد حل اخر غير القطاع العام إذا لم تتح الدوله الامكانيات اللازمه لذلك ؟

أ / صلاح  ابو سيف :

هناك اسلوب اخر يسمى بالانتاج التعاوني قام به بعض الزملاء العاملين بالمجال اعتقد كانوا محسن احمد ,وماهر عواد ,وشريف عرفه حيث قاموا بالاشتراك معا لإنتاج أفلامهم واعتقد أن هذا الأسلوب جيد جدا .


Copyright 2007 arabfilmtvschool.edu.eg,
All Rights Reserved
Dr. Mona El Sabban