حلقة بحث مع الأستاذ / سمير سيف

وطلبة المعهد العالي للسينما - قسم المونتاج

د/سمير سيف :

محدثكم سمير سيف ، تخرجت من المعهد العالي للسينما – قسم الإخراج – في يونيو 1969 ، وما أزال أعمل بالمعهد حتى هذه اللحظة . وقد تخرجت في الدفعة السادسة على اعتبار أن أول دفعة تخرجت من المعهد عام 1963 ، بعد انشاء المعهد عام 1959 .. يعنى من أخريات الدفعات التي كان لها شرف الدراسة على أيادي عمالقة التدريس بالمعهد ، مما كان له أكبر الأثر في تكويني كسينمائي ، علاوة على فرصة الاحتكاك بكبار الأدباء والمثقفين ، والذي ساهم بشكل مباشر في تكوين شخصيتي .
قبل تخرجي عام 1969 ، عملت كمساعد مخرج مع الأستاذ شادي عبد السلام وأنا ما أزال طالباً .. في فيلم روائي قصير بعنوان ( الفلاح الفصيح ) ، وبالمناسبة فقد عمل معى  في هذا الفيلم عدد من زملائى فى المعهد .. أذكر منهم على بدرخان ، عاطف البكري ، عاطف الطيب وسمير عوف .
وبعد تخرجي – وفي عام 1970 – عملت كمساعد مخرج مع الأستاذ يوسف شاهين ، وكان يعمل في النسخة الثالثة والأخيرة لفيلم ( الناس والنيل ) ، ثم عملت لمدة عامين ونصف العام تقريباً كمساعد مخرج مع الأستاذ حسن الأمام ، وفى عام 1972 قمت بإخراج أول فيلم روائي قصير بعنوان ( مشوار ) عن قصة قصيرة للأستاذ يوسف إدريس وكان من انتاج التليفزيون المصرى ، وذلك أثناء فترة عملي كمساعد مخرج والتي انتهت عام 1974 .

وفي عام 1975 ، قمت بإخراج أول أفلامي الروائية الطويلة بعنوان ( دائرة الانتقام )

نور الشريف وشويكار فى فيلم دائرة الأنتقام  عام 1975

 إلى أن وصل عدد الأفلام الروائية الطويلة التي قمت بإخراجها حتى العام الماضي ما يقارب السبعة عشر فيلماً ، بالإضافة إلى أخراج ثلاثة مسلسلات للتليفزيون .

د/ منى الصبان :

سمير. .  سنناقش اليوم علاقتك كمخرج بالمونتاج ؟

د/سمير سيف :

        أعتقد أنه بما أننا في حلقة بحث ، فإن طلبة القسم الموجودين هم الذين سوف يدفعون بسير المناقشة ، وبما أننا في قسم المونتاج ، فسوف أبدأ بمقدمة بسيطة عن علاقتي كمخرج بفن المونتاج .

أ/سعيد الشيخ :

        فيما يتعلق بعلاقة سمير سيف بالمونتاج ، أذكر أنه وبعد عمله مع الأستاذ حسن الأمام بدءاً من فيلم بعنوان ( قلوب العذارى ) ومروراً بفيلم بعنوان ( حب حتى العبادة ) ...

د/سمير سيف : "مقاطعاً"

        هذا الفيلم كان من بطولة صلاح ذو الفقار وتحية كاريوكا ..

أ/سعيد الشيخ :

        نعم ،ومن ثم عمل مع الأستاذ حسن الأمام في فيلم بعنوان ( أميرة حبي أنا ) ، وفيه قام سمير بمراجعة مونتاج الفيلم معي , وقد بذل جهداً يذكر له جعلني أعتبره مخرجاً سينمائياً مونتاجياً بالمقام الأول وقد كان ذلك أول تعاون فني مباشر بيني وبينه.

د/سمير سيف :

        لقد عاصرت الأستاذ سعيد الشيخ في مرحلة من حياتي ، وقد ساهم في خلق علاقتي بفن المونتاج ، تلك العلاقة التي لم تتوافر للكثيرين ، والتي بدأت بمحض المصادفة أثناء دراستي بالمعهد ، عندما طلب منا ورقة بحث يتناول فيلم ( دعاء الكروان ) مقارنة بين الرواية لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين والعمل السينمائي الذي أخرجه الأستاذ هنري بركات ، وقمت بعمل ورقة البحث وقدمتها إلى الأستاذ أحمد الحضري الذي كان مسؤولاً عن مادة التذوق السينمائي والذي أعجب بها ، مما دعاه إلى تكليفي بكتابة تفريغ لديكوباج الفيلم والذي وقع الاختيار عليه - لأول مرة – لتقديمه في أحد أبواب مجلة كانت تصدر في الستينيات بعنوان ( السينما والمسرح ) اعتادت على تقديم سيناريو أو ديكوباج نص سينمائي لأفلام فرنسية أو إيطالية أو تشيكية .

وعليه فقد وفروا لي نسخة من الفيلم ، قمت بكتابة الديكوباج له ، نقلاً عن المفيولا وذلك يومياً عقب انتهاء اليوم الدراسي .. يعني مثلاً يبدأ المشهد Close up (لقطة قريبة) ، ثم تتراجع الكاميرا ، فتظهر (س) وتقول الجملة (.........) وتستمر الكاميرا في التراجع لتكشف (ص) ، يتحرك (ص) فتتحرك الكاميرا معه ، يعني وصفاً تفصيلياً دقيقاً لكل لقطة من الفيلم ، وبالتالي حفظت الفيلم لدرجة تصورت وقتها أنني أعرف الفيلم أكثر من الأستاذ هنري بركات نفسه من كثرة مراجعتي للقطات .

د/ منى الصبان:

        في أى عام دراسي كنت وقتها ؟

د/سمير سيف :

        كنت في عامي الثالث بالمعهد ، وقد أثارتني تلك التجربة وشدتني إلى أقصى درجة .. وبعد ذلك في العام الرابع ، تلقيت ( كورس ) تحليل الأفلام مع الأستاذ سعيد الشيخ ، الذي قام بتوجيه عينييﱠ لأكثر التفصيلات دقة لكثير من الأفلام بعد أن اقتصرت تجربتي الأولى مع فيلم ( دعاء الكروان ) على مجرد المشاهدة والتسجيل .

بعد ذلك وبعد تخرجي وتعييني معيداً بالمعهد ، ولم يكن المعهد وقتها بالازدحام الموجود حالياً ، ونظراً لعملي بالثقافة الجماهيرية لفترة اقتربت من الأربعة أشهر وتعرفي على ما تحتويه مخازنهم من أفلام ، وبعد أن توطدت علاقتي بالعاملين هناك كنت أستعير أفلاماً عادةً كانت فرنسية لمخرجين أمثال جان بيير ميلفيل ، جان لوك جودار وكنت أخذها على المفيولا 35 مللى عقب انتهاء اليوم الدراسي ، يعني مثلاً قمت بكتابة ديكوباج كامل بالحوار لفيلم (على آخر نفس) لجودار ، هذا فضلاً عن غيره من الأفلام .

د/ منى الصبان:

        وهل كتبت ديكوباج تلك الأفلام باللغة العربية ؟

د/سمير سيف :

        طبعاً باللغة العربية – أذكر أيضاً اننى كنت عندما أجد بعض المشاهد التي تتميز بشئ خاص من أحد الأفلام ، كنت أقوم بنقلها بأدق التفاصيل وأقوم بعمل خطة Plan لها ، على اعتبار أنها دراسة .

        ومن هذه الأفلام ، فيلم فرنسي بعنوان (قبعة مرشد البوليس) للمخرج الفرنسي جان بيير ميلفيل ، كان فيه مشهد استمر على الشاشة تسع دقائق بالضبط ، في ديكور واحد ، وكان عبارة عن تحقيق مع (جان بول بلموندو) .

وبمناسبة حديثنا عن فن المونتاج ، نحن نعرف أنه قد جرى العرف بأن يتم تنفيذ القطع عقب انتهاء جملة الحوار مباشرة . الا انني لاحظت أن المخرج الفرنسي جان بيير ميلفيل يترك على الأقل إثني عشر كادراً بعد انتهاء جملة الحوار وهو ما يعتبرخطأ طبقاً للقواعد التقليدية المتعارف عليها ، الا أنه - ونظراً لأن شخصيات أفلام هذا المخرج تتميز بأنها تراجيدية إغريقية برغم الطابع البوليسي الغالب على أفلامه - فقد أضفى استعماله لتلك التقنية غير التقليدية إيقاعاً يكسب بدوره نوعاً من الرصانة لأداء شخوصه .. وعندما تنهي الشخصية حوارها وتنتظر بعدها برهة يجعل كلمات الشخصية تترك أثرها ليس فقط في الشخصية التي تحاورها ,ولكن أيضاُ تترك أثرها في المتفرج

طالبة  :

        في أى الفترات تم إخراج هذا الفيلم ؟

د/ سمير سيف:

        أحب أن أذكر أولاً أن المخرج الفرنسي جان بيير ميلفيل هو الأب الروحي للموجة الجديدة ، وكان أول من ذكر تعبير الحلقة المفرغة أو الشيطانية Vicious circle  فيما يتعلق بأنه لكي يعمل في المجال السينمائي لابد أن يكون عضواً في نقابة السينمائيين ، ولكي يصبح عضواً في النقابة ، لابد أن يكون قد قام بإخراج أعمال سينمائية بالفعل ، ولهذا فقد قرر أن يكسر تلك الحلقة المفرغة ، ويقوم بانتاج أول فيلم بأقل تكلفة ممكنة ، بدءاً من عدم الاستعانة بأسماء معروفة مروراً باستخدامه عربة خضار كشاريوه ، إلى آخره من الوسائل التي ابتدعتها الموجة الجديدة لخفض تكاليف انتاج الأفلام ، وأيضاً نظراً لعدم توفر إمكانيات المعمل ، فهي لا تستخدم وسيلة المزج Dissolves أو الأختفاء والظهور التدريجى Fades   ، وتستعمل فقط وسيلة القطع  Cut ، وهكذا  قام المخرج (جان بيير ميليفل) بوضع أسس أسلوب الموجة الجديدة التي بدأها في عام 1947 في فيلم بعنوان (صمت البحر) .

د/ منى  الصبان:

        وهل كان ذلك قبل (جودار) ؟

د/ سمير سيف:

        فعلاً ، ولذلك واعترافاً من جودار بفضل جان بيير ميلفيل فقد استعان به كنوع من التحية أو الامتنان في فيلم بعنوان (على آخر نفس) في دور مفكر يقوم بطل وبطلة الفيلم بتوجيه الأسئلة اليه ضمن مؤتمر صحفي في أحد المطارات .

ثم بعد ذلك قام جان بيير ميلفيل – كنوع من الحوار – بالرد على جودار بفيلم وضع له عنوان (النفس الثاني) عام 1962-1963 ، ونلاحظ أن هذا الحوار لم يقف عند حد عنوان الفيلم ، بل أمتد ليشمل تحليل الشخصيات والأحداث التي تمر بها

د/ منى الصبان :          

        لاحظت أن أسم (جان بيير ميلفيل) لا يتردد كثيراً عند الحديث عن الموجة الجديدة ؟

أ/ سعيد الشيخ:

        (جان بيير ميلفيل) لم يكن مخرجاً فحسب ، بل كان ناقداً سينمائياً أيضاً

د/ منى الصبان:

        أعلم ذلك ، الا أنه عند قراءة مقال مثلاً يتحدث عن الموجة الجديدة ، يذكر أسم جودار فقط !!

د/ سمير سيف:

        (جان بيير ميلفيل) ، أعتبره مخرجي المفضل ، وأحتفظ له بثلاثة أفلام قمت باحضارها من فرنسا وأحاول أن استكمل مجموعته الكاملة حيث أنه توفى عام 1974 .

د/ منى الصبان:

        مخرجك المفضل !! مع أن أفلامه لا تتسم بالحركة مثل أفلامك ؟

د/ سمير سيف:

        لا .. لقد تعلمت من أفلامه كيف تكون أفلام الحركة ... وعلى أية حال ، نعود لموضوع التحليل الدقيق للأفلام ، والذي كون لدى خلفية جيدة جداً , فأنا أذكر أنني كنت محظوظاً لتعاون أ/ سعيد الشيخ معي في أول ثلاثة أفلام قمت باخراجها ، وقد أفادني كثيراً أنني لم أكن مخرجاً بالمعنى المعروف ، فالمخرج عادةً يقتصر دوره على التوجيه في البلاتوه ويقوم بالإشراف من وقت لأخر على باقي أفراد الفريق ومنهم المونتير ، الا أنه لا يتدخل بالعمل الفعلي للمونتاج ، هذا إن توافر له الوقت أصلاً لذلك ، الا أنني أعتدت على عكس ذلك تماماً ، فقد أعتبرت نفسي مخرجاً , ومخرجاً مساعداً , ومونتيراً مساعداً ..... ألخ .

ومن خلال تعاملي مع الأستاذ سعيد الشيخ أمام المفيولا تعلمت أدق خبايا فن المونتاج عن طريق العمل الفعلي ، وأعترف هنا بدور الأستاذ سعيد الشيخ في السماح لي بذلك ، وادراكي لقيمة ذلك مع مرور الأيام لأن العلم بآليات العمل يساعد المخرج ، بدءا من مرحلة الإعداد للعمل ، فهي تمكنه من معرفة المشكلات التي قد تعترض سير عملية المونتاج وتتيح له فرصة وضع تصور مسبق لما سوف يحدث أثناء المونتاج .

مثلاً ، عند تصويرلقطة معينة أعلم تماماً كم جزء منها سوف أستخدمه في الفيلم ، وهذه التقنية توفر فى مرحلة التجهيز  setup ، بمعنى أنني أستطيع – من الزاوية الواحدة – أن اخذ مراحل مختلفة من الحركة على أساس ادراكي مسبقاً عن كيفية تطور هذه الحركة . مما يساعد في خفض التكلفة النهائية للعمل ، ويلعب هذا دوراً مهماً من الناحية الاقتصادية

أيضاً هناك بعض التقنيات التي قد تغيب عن البعض ، الا أن الإلمام بها – وهذا لا يتأتى الا من خلال الممارسة الفعلية للمونتاج – يجعل المخرج يأخذها في الاعتبار عند الإعداد للعمل ، وأذكر من تلك التقنيات – على سبيل المثال – ما يسمى بالـ Room Tone أو الخلفية الصوتية للقطة ، وهي ببساطة عمل Loop لجزء من شريط صوت بهدف التأثير على إيقاع المشهد أو استخدام Wild track أى شريط حر لمصاحبة أحد المشاهد ، ويعتمد استخدام احد تلك التقنيات على مدى ملاءمته لطبيعة المشهد .

        وهكذا ،  ولحسن حظي – أضفى الاحتكاك مع أستاذ مثل سعيد الشيخ في أوائل أفلامي  على علاقتي بالمونتاج صفة أكثر خصوصية من الأخرين لم يتوافر لهم مثل حظي وجعلني كما يقال Editing Oriented  أو أن محور أهتمامي الأساسي هو المونتاج .

د/ منى الصبان:

        يعني المونتاج موجود  عندك في الخلفية باستمرار ؟

د/ سمير سيف:

        فعلاً ، تماماً كما نجد من هو ذهنه موجه باستمرار ناحية السيناريوScript Oriented، وهو ما يوحد وجهة نظره مع وجهة نظر الصراع الدرامي بين الشخصيات , ويوجد أيضاً من هوPhotography Oriented، أي أنه لا يرى في المشهد – في المقام الأول – الا الإضاءة ، من حيث شدتها والجهة التي تنبع منها وتأثيرها على الشخصية ، وكذلك الإضاءة الخلفيةBack Light، وقد يتغاضى عن أشياء أخرى ليست على نفس الأهمية بالنسبة إليه . ورغم أنني لم أمارس المونتاج بشكل محترف قبل ممارستي للإخراج الا أنني أعتقد أن ذهنيEditing Oriented أي أن اهتمامي الأساسي هو بالمونتاج . وهذا طبعاً بسبب العلاقة الخاصة بيني وبين فن المونتاج , والأهمية الكبيرة التي أوليها له أثناء العمل .

طالبة :

        أريد أن أسأل عن دور المونتاج في فيلم من أفلام الحركة ؟ وأهمية عملية القطع وطول اللقطات إلى غير ذلك ؟؟

د/ سمير سيف:

        أود في البداية – أن أذكر مقارنة عقدها المخرج الكبير  (ستانلي كوبريك)  بين أسلوب (إيزنشتين وشارلي شابلن) ، فيقول إن شابلن هو المضمون Content البحت ، لأن قيمة شابلن كأسلوب إخراجي تكمن فيما يحدث داخل الكادر بمعنى أداء الممثلين وعلاقة اللقطات ببعضها وأي شيئ آخر خلاف المضمون يأتي عنده في المرتبة الثانية أو الثالثة أو حتى الرابعة .

أما إيزنشتين ، فعلى العكس تماماً فهو الشكل Form الكامل بلا أدنى نظر للمحتوى ، فالأساس عنده هو تكوين الكادر ، أما المضمون فيأتي عنده في المرتبة الثانية أو الثالثة .

من خلال هذه المقارنة أريد أن أخرج إلى أن المونتاج يعتبر عصباً أسياساً بالنسبة لفيلم الحركة ، ولتوضيح هذا من خلال فيلم عاطفي حواري – كإتجاه معاكس لأفلام الحركة – يمكن أن يؤدي وصول الأداء العاطفي للمشهد لذروته في حين يصل الدور الذي يلعبه المونتاج إلى نقطة الصفر .

        وهناك فيلم دائماً ما أضرب به المثل هو فيلم (لحن الوفاء)

عبد الحليم حافظ وشادية فى فيلم لحن الوفاء عام 1955

فى الفيلم هناك مشهد يبدأ بالفنان حسين رياض جالساً في مقدمة الكادرforegroundيشرب كأسه ويدخن سيجارته ، ثم يفتح أحد الأبواب في خلفية الكادرBackground ليدخل منه الفنان عبد الوارث عسر ويجلس في المستوى الثاني ويبدأ حواره بجملة "" ما أنش الأوان "" ويستمر الحوار بينهما لمدة تقارب من الأربع دقائق .. هنا المشهد لا يلعب فيه المونتاج سوى دور صغير بينما تصل قيمة المشهد الى المتفرج مائة بالمائة ، والقيمة التي تنبع من خلال أداء الفنانين الكبيرين وتعبيرات وجهيهما فضلاً عن الحوار وتكوين الصورة بالقطع ، دون الحاجة الى خلق علاقة بين لقطتين من خلال المونتاج
أما أفلام الحركة فعلى النقيض تماماً ، لا يكتمل تأثير المشهد الا بتمام مونتاجه ، حتى أنه في مرحلة التجميع الأولى يكون مشهد الحركة هذا من المشاهد البشعة من كثرة أطواله ويمكن أن يوجد به تكرارات في الحركة بين اللقطة والتى تليهاOverlapping لأن بعض الحركات يتم خلقها من خلال التداخل بين عدة لقطات ، وعليه فمشاهد الحركة في مرحلة التجميع الأولى لا تصل إلى إيقاعها الأخير الا في المونتاج النهائي , ولا يكتمل تأثيرها الا بالمؤثرات الخاصة والموسيقى المصاحبة لها ، وكل هذا يشكل أساس مشاهد الحركة .
فالمونتاج هنا يشكل علاقة عضوية مع أفلام الحركة ، تماماً كعلاقة عملية التنفس بالأكسجين لايمكن فصلهما عن بعضهما في حين أنه – وكما ضربت المثل – يمكن في نوعية أخرى من الأفلام أن نصل الى التأثير المطلوب دون استخدام المونتاج .

د/ منى الصبان:

        أعتقد أنك حتى لو قمت بتنفيذ الحركة المطلوبة داخل لقطة واحدة لمدة ثلاث دقائق مثلا فإنك لن تصل إلى التأثير المطلوب .

د/ سمير سيف:

        فعلاً ، يصبح من الصعب جداً أن نصل إلى التأثير المطلوب هكذا ، فلنأخذ مثالاً على ذلك , أفلام الكاراتيه التي يتم تشبيهها بالأفلام الاستعراضية ، من ناحية أن حدوتة فيلم الكاراتيه ماهي الا وسيلة لتقديم عدد من المعارك التي تظهر مهارات اللعبة الرياضية ، تماما مثل قصة الفيلم الاستعراضي التى تتميز بأنها وسيلة لعرض مجموعة من الاستعراضات الفنية ، كما أن فيلم الكاراتيه يعتمد اعتماداً كلياً على كفاءة بطله الرياضية في إظهار مهاراته البدنية ، والفيلم الاستعراضي مبني على براعة الراقص مثل (جين كيلي أو فريد استير) في استعراض مهاراتهم الراقصة .

كما أن أوجه التشابه بين هذين النوعين من الأفلام تكمن في وجود تشابه أكبر, ففي الفيلم الاستعراضي هناك الاستعراض الفردي والاستعراض الزوجي والاستعراض الجماعي ، أيضاً في فيلم الكاراتيه يوجد الاستعراض الفردي كما في قيام البطل بالتدريبات والاستعراض الزوجي كما في المباريات والاستعراض الجماعي كما في المعارك التي يستعرض فيها مجموعة من محترفي اللعبة مهاراتهم .

فهنا المقارنة بين هذين النوعين من الأفلام مقارنة ذكية جداً ، فبطل أفلام الكاراتيه هو عادةً بطل رياضي يمتلك مهارات اللعبة ، فتلك الأفلام يغلب عليها قلة استخدام المونتاج لأن البطل يستطيع أداء حركاته ومهاراته في لقطات كبيرة Long shots ، أما إذا كان البطل غير رياضي فيتم استخدام اللقطات العامة جدا Extreme Long shots لكي تخفي البديل (الدوبلير)  , واللقطة القريبة جدا ً Extreme Close-up لإظهار وجه البطل .

د/ منى الصبان:

        هذا ما ذكره  أندريه بازان  !

د/ سمير سيف :

        كلما استطاع الممثل نفسه أن يؤدي الحركات المطلوبة كلما زاد اقتناعنا كمتفرجين بتلك المشاهد ، انما لا يلغي هذا دور المونتاج نظراً للتعقيد الذي يتعلق ببناء الحركة ، ففي اللقطات العامة Long shots  لا تستطيع الزاوية الواحدة أن تكون أفضل زاوية لكل جزء من الحركة ، وعلى ذلك فلابد من تغيير وضع الكاميرا لاختيار أنسب وضع لإبراز كل جزء من الحركة .

د/ منى الصبان:

        نعم ، لكن لو تم تنفيذ حركة الكاراتيه من أولها إلى أخرها في لقطة واحدة ستزداد مصداقيتها عما لو تم تنفيذها من خلال مونتاج عدة لقطات تم تصويرها من عدة زوايا !؟

د/ سمير سيف:

        المصداقية تعتبر أحد العناصر ، في حين يعتبر التأثير عنصراً آخر ، بمعنى أنه يمكن أن يتم تصوير جزء من الحركة في لقطة عامة ولتكن للبطل مثلا يقوم بتوجيه لكمة إلى شخصية أخرى ، ثم بعد ذلك تظهر الضربة في لقطة قريبة جدا ، مما يحدث الصدمة البصرية من خلال التناقض بين حجمي اللقطتين بالإضافة إلى تأثير الضربة على وجه متلقيها ، وهذا يؤدي إلى زيادة  التأثير ويجعل الشحنة العاطفية المتولدة عن القطع هنا أقوى بكثير مما لو تم تنفيذ الحركة بكاملها في لقطة عامة .
وأريد هنا أن أذكر درساً بليغاً عن المخرج ستانلي كوبريك تحدث فيه عن الاختلاف بين المشاهد التمثيلية ومشاهد الحركة , فهو يقول